Printer Friendly and PDF

Text Resize

صراع الأطلسي على جزيرة جليدية

27 October 2017

يدور صراع بين كندا والدنمارك حول السيادة على جزيرة «هانس» وهي جزيرة صغيرة جداً وغير مأهولة، تقع عند مدخل المحيط القطبي فيما يعرف بممر «كندي». ويربط هذا الممر بين جزيرة غرينلند الدنماركية وجزيرة «الليسمر» الكندية.

تشبه «هانس» شكل الكلوة. وتبلغ مساحتها 1،3 كيلومتر مربع فقط. وقد أثبتت الدراسات أنه لا حياة بشرية فيها لا الآن ولا سابقاً، وأنه لا ينمو عليها شجر أو عشب. وأنه لا معادن، وخاصة لا نفط ولا غاز في جرفها القاري. وحتى الثروة السمكية في مياهها تكاد لا تذكر، ولا تشكل أي عنصر جذب للصيادين.

مع ذلك تتمسك بها الدولتان، كندا والدنمارك. وتتصارعان حول إثبات السيادة عليها إلى حد التهديد باستخدام القوات المسلحة.

فالجزيرة الصغيرة تقع وسط ممر بحري مغلق معظم أيام السنة بسبب الجليد. إلا أن ارتفاع حرارة الأرض وذوبان قسم كبير من الجليد القطبي، فتح ممرات بحرية في المنطقة عبر القطب الشمالي. وقد تصبح هذه الممرات في أهمية قناة السويس، أو قناة «بنما» بالنسبة للملاحة البحرية في المستقبل القريب.

وتتقاسم السيادة على هذه المنطقة القطبية كل من الولايات المتحدة والاتحاد الروسي وكندا والنروج والدنمارك. ومن هنا تبرز أهمية جزيرة «هانس»، وتالياً أهمية السيادة عليها. فالكنديون يتهمون الدنمارك بـ«استعمار» الجزيرة، والدنماركيون يتهمون كندا بـ«انتهاك سيادتهم الوطنية على الجزيرة». أما إعلام الجانبين الذي كان يتعامل مع القضية على أنها نكتة سياسية، فقد بدأ الآن يعيد النظر في موقفه!

يدّعي الكنديون أن مكتشف الجزيرة كان بريطانياً. وأنه هو الذي أطلق عليها الاسم الذي تحمله. وبما أن كندا ورثت كل التركة الاستعمارية البريطانية في المنطقة، فإن هذه التركة تشمل بالضرورة الجزيرة أيضاً.

غير أن الدنماركيون أثبتوا أن مكتشف الجزيرة، وكان اسمه تشارلز فرنسيس هول، لم يكن بريطانياً بل كان أميركياً، وأنه أعطى الجزيرة اسم الدليل الذي كان يرافقه وهو من غرينلند، أي من الدنمارك.. وكان اسمه هانس هندريك. وقد حدث ذلك في 29 آب 1871.

في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة تدّعي السيطرة على غرينلاند. إلا أنها تخلت عنها للدنمارك في عام 1916 بعد أن عقدت معها صفقة في مكان آخر. فقد «اشترت» منها مجموعة من الجزر في البحر الكاريبي تعرف اليوم باسم الجزر العذراء الأميركية، وذلك بمبلغ قدره 250 مليون دولار فقط (ثمن شقة اليوم في بناية من بنايات مدينة نيويورك).

وبعد هذه الصفقة أكدت الدنمارك سيادتها شمالاً على كل أراضي جزيرة غرينلند وعلى جميع سكانها من قبائل «الاينوغيتس» الذين يشكلون واحداً بالمائة من الشعب الدنمركي. ويعتقد أنهم هم الذين أطلقوا على جزيرة هانس اسمها الذي يعني بلغتهم المحلية «الكلوة».

مع ذلك لم تأخذ جزيرة هانس موقعها على الخريطة الرسمية إلا في عام 1967. وكانت تلك الخريطة كندية. وفي عام 1973، أي بعد ست سنوات، دخلت كندا في مفاوضات مع الدنمارك لتقاسم الجرف القاري الواقع بينهما على أن تبقى الجزر الواقعة في المنطقة خارج هذه العملية ليتم التفاوض على كل واحدة منها على حدة. ولكن الطرفين فشلا في الالتزام بهذه الصيغة. وهو الفشل الذي أوصلهما إلى الأزمة الحالية. وبعد مرور عقد من الزمن اتفق الطرفان عام 1983 على تقاسم مسؤولية القضايا المتعلقة بالحياة البحرية والبيئية في المنطقة. ولكنهما لم يتفقا على تقرير مصير الجزيرة المتنازع عليها.

ولإثبات السيادة على الجزيرة، بادرت كل من الدنمارك وكندا إلى غرس علمها على التلة الصخرية الأكثر ارتفاعاً فيها. وفي كل مرة كان الكنديون يزرعون علمهم، كان الدنمركيون يبادرون إلى إزالته وزرع علمهم الوطني مكانه، وبالعكس.

وفي عام 2007 جاء الترياق من صورة بثّتها الأقمار الاصطناعية. فالصورة «تثبت» أن رسم الجرف القاري الذي تم التفاهم عليه بين الدولتين الأطلسيتين عام 1973 يقسم جزيرة هانس المتنازع عليها مناصفة بين كندا والدنمارك. وفي العام التالي أعطت الدولتان الإذن لمجموعة من العلماء من بريطانيا وأستراليا وكندا والدنمارك لإقامة محطة للأرصاد الجوية فوق الجزيرة.

وهكذا تحولت الجزيرة الضائعة في القطب الشمالي من نقطة صراع ساخن.. إلى نقطة التقاء جماعي شديدة البرودة.

(المستقبل)

الكاتب: 
محمد السمّاك
2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب