Printer Friendly and PDF

Text Resize

حي السلّم.. «قلوب مليانة» أكثر من «أكشاك فلتانة»

كتب علي الحسيني في "المستقبل":

ما جرى أمس في الضاحية الجنوبية، وتحديداً في منطقة حي السلم، على خلفية إزالة القوى الأمنية أكشاك تجارية غير شرعية وما رافقها من اعتراضات وصرخات للأهالي وإحراق دواليب وإغلاق طرق، بالإضافة إلى إطلاق شتائم بحق شخصيّات كانت حتى قبل أمس، يُمنع المساس بشخصها أو تناولها بسوء، وكانت حتّى تاريخه، تندرج ضمن «الخطوط الحمراء» من غير المسموح تجاوزها، يُمكن وضعه في خانة التمرد من بيئة كانت دماؤها على مدى أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، ثمناً لاستمرار أحزاب وقيام دويلات حتى اليوم ووقوداً لمشاريع في المنطقة بدأت تظهر ملامحها اليوم في العراق وسوريا واليمن.

في حي السلم أمس، سقطت «المحظورات» و«الخطوط الحمراء»، وكشف الأهالي عن أوجاع تحوّلت مع ساعات الفجر الأولى إلى «أنياب» كانت على استعداد لأن تنهش كل مسؤول يُمكن أن يظهر على الساحة. ولكن، كان هؤلاء أمس، على موعد مع دفع فاتورة جديدة لـ «حزب الله» الذي، وبحسب أهالي حي السلم وجزء كبير من سكّان الضاحية الجنوبية، وكذلك بحسب ما أظهرته شاشات التلفزة خلال عمليات النقل المباشر لإزالة المخالفات، كان قد أدخلهم مُرغمين في منظومة المخالفات في نطاق سيطرته وأقام حواجز جغرافية بينهم وبين دولتهم في سبيل دعمه وتأييده، واستعدادهم لتقديم أرواحهم في سبيل «المقاومة»، مقابل لقمة عيشهم.

يذكر أهالي مناطق سيطرة «حزب الله» عموماً والضاحية الجنوبية على وجه الخصوص، أن المرة الأخيرة التي تناول فيها مواطنون من الطائفة الشيعية «حزب الله» بالسوء وبعبارات قاسية، كانت خلال معارك الحزب مع حركة «أمل». أمس استعاد حي السلم بعضاً من ذلك التاريخ مع فارق وحيد هو أن المواجهة كانت بين الأهالي و«حزب الله» الذي كان لقادته الأساسيين ووزرائه ونوابه، نصيب وافر من الشتائم وصلت في العديد من جوانبها إلى حالة التبرؤ منه ومن الحروب التي يخوضها باسمهم، وخصوصاً الحرب في سوريا وما ينتج عنها من قتلى وجرحى بعضهم لديهم اهل وأقارب كانوا أوّل المتضررين من سياسة التغاضي التي اتبعها الحزب، والتي أُزيح الستار عنها أمس، في عقر دار «حزب الله».

من دون أدنى شك أن قيادة «حزب الله» من أكبر رأس الهرم حتى أصغره، كانت أمس «مُستنفرة» تترقّب عبر شاشات التلفزة كل شاردة وواردة تصدر عن «البيئة الحاضنة». المشهد بالنسبة إلى الحزب كان مؤذياً بدرجة كبيرة خصوصاً مع «شطحات» البعض في التعبير عن غضبهم. وبعيداً عن الإهانات الشخصية لهذا أو ذاك، فقد نالت قيادة الحزب بشكل عام، وابلاً من الاتهامات وصلت في أحد جوانبها إلى سوق الشباب للموت في سوريا وتحذيرات السيد حسن نصرالله من الفتنة، ليقول أحدهم «هذه هي الفتنة يا سيد بحد ذاتها» بعدما اتهم حزبه بالتواطؤ على البيئة الحاضنة بعد كل الدماء التي قدمتها، والتي أظهرت بأن السكوت عنها لم يكن إلا في سبيل الحفاظ على لقمة العيش. لقمة العيش فقط.

المؤكد أن الغضب الذي بان في الضاحية أمس، لم يكن وليد لحظته، إنما جاء على خلفية الألم الذي يشعر به جمهور «حزب الله»، والذي يبدو أنه من غير المسموح التعبير عنه. جاءت قضية حي السلم لتضع النقاط على الحروف عند بيئة لم تعد في الفترة الأخيرة تعرف مصيرها أو كيف ستكون عليه الأيام القادمة، خصوصاً في ظل الوضع الاجتماعي المتردّي والمرافق أيضاً لحالات القتل التي تُلاحق الآباء والأبناء في سوريا. والملاحظ أيضاً وربما الأهم، أن إحدى وسائل الإعلام التابعة لـ «حزب الله»، كانت قد حذّرت منذ فترة من «بركان» الغضب الذي انفجر أمس في الضاحية، لكن المستغرب أنه وبدل أن يقوم في حينه الحزب بوضع إصبعه على الجرح، ويقوم تالياً بمراجعة ذاتية، انبرى أحد وزرائه في اليوم التالي ليقول «يكفينا تنظيرات».

حجم التباعد الرؤيوي بين «حزب الله» وجمهوره، ظهر أمس أيضاً، حيث أثبتت عملية إزالة المخالفات غير الشرعية أن غرق الحزب في الحروب الخارجية واستمراره فيها منذ 6 أعوام تقريباً، وقبلها بناء دويلته ضمن الدولة، دفعته إلى التغاضي عن الكثير من الارتكابات والمخالفات التي بدأ يدفع جمهوره ثمنها اليوم. ففي مناطق سيطرة الحزب، ثمة مؤسسات تابعة له أو محمية منه، غير شرعية ولا هي مرخصة من الدولة، أجازت لنفسها التعدي على الأملاك العامة وفي أحيان كثيرة الخاصة، والتوسع بأعمالها حتى وصلت إلى الأسواق العقارية والاستهلاكية تحت مُسميات عدة ومؤسسات تعليمية وسياحية وصحية. وعلى الخط نفسه، سار جزء من بيئة الحزب، بعضهم استفاق أمس، حيث راحت إحداهن تُفرغ ما في جعيتها من قهر وألم بحق «حزب الله». «الله يبعتلكم البلاء، جبتوا البلاء للضاحية. روحوا ازرعوا شجر على قبور الشهداء، نحن شُهداؤنا آلاف، نحن ضحّينا وقدّمنا جرحى، كل بيت فيه شهيد وجريح. بتريدها على نفسك يا سيد؟».

يستمر التعبير عن الآلام و«تخلّي» الحزب عن جمهوره، ليقول أحدهم موجهاً كلامه إلى نصرالله «خلال حرب تموز تكالب الجميع على المقاومة، نحن فقط بقينا مثل السيف بضهرك، اليوم أنت أول شخض خذلتنا. كتّر خيرك يا سيد. بعد ثلاثين عاماً سمحت للدولة يا سيد بأن تدخل إلى الضاحية. بعد ثلاثين عاماً يا سيد كان يوجد تاجر مخدرات، اليوم أصبح عددهم ألف. لنا الفخر أننا لم نتاجر بالمخدرات ولم نسرق. نعم أقمنا محالاً تجارية على أرض لدولة منعتموها أنتم من الدخول. أنتم جعلتم من العالم زعران».

ذيول ما حصل في حي السلم أمس، لن ينتهي مفعولها في القريب العاجل. ثمة من بدأ يتحدث في الخفاء عن أن «حزب الله» سيقوم بالتعويض على هؤلاء ليس محبة بهم، إنما لامتصاص النقمة وقد ينحو باتجاه مخطط ما ليشد من عصب الجمهور مجدداً. البعض الآخر يؤكد أن الناس استفاقت من سباتها وراحت تعدد الأمور بالأسماء وكما هي. وضمن هذا التوجه، أطلت سيدة من بين الجموع الغاضبة أمس لتوجه كلاماً إلى «حزب الله»: «معليش ولو بدها تطلع تقيلي شوي، إذا المرأة كانت مُطلقة، يأتيها من يقول لها إذا قبلت بأن أعقد عليكي الزواج يُمكنني مساعدتك». ولدى انتهائها من الكلام، يأتي صوت جماعي لمجموعة من الرجال والنساء «ذليتونا».

هذا الأمر، استدعى تأكيداً من لقاء «نداء الدولة والمواطنة» في بيان أمس، بأن «ما حدث اليوم (أمس) في الضاحية الجنوبية لبيروت ليس مقبولاً بأي شكل من الأشكال، وهو حصل بتغطية من «حزب الله» و«حركة أمل»، وهما الطرفان اللذان يتحملان مسؤوليته في الدرجة الأولى»، مشيراً إلى أن «ثقافة تعميم المخالفات هي نتيجة إشعار حزب الله وحركة أمل كل مواطن شيعي وكل مقيم في الضاحية بأنه في منأى عن القانون تحت عنوان (كن مع حزب الله وافعل ما شئت)، والسبب الأساسي هو إيهام الناس بأن الشيعة مواطنون فوق القانون لمجرد أن من بينهم من يقاتل في سوريا، وحزب الله هو الذي أوهم الشيعة بأن الدولة ملك أيمانهم وأن القوانين وجدت للطوائف الأخرى». 

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب