Printer Friendly and PDF

Text Resize

النظام يستعيد التهجير والتدمير في الغوطة

كتب علي الحسيني في صحيفة "المستقبل":

على طريق بلدتَي مضايا والزبداني اللتين كان حاصرهما النظام السوري وحلفاؤه، وشددوا الخناق عليهما من أجل دفع الأهالي إلى الاستسلام بعد تجويعهم ومنع الدواء والغذاء عن النساء والأطفال وكبار السن، يسير الحلف نفسه اليوم على الدرب ذاته في الغوطة الشرقية التي يُحاصرها منذ سنوات، وقد اشتد الحصار بشكل خانق منذ شهرين تقريباً، فكانت نتيجته موت الطفلة الرضيعة «سحر ضفدع» نتيجة سوء التغذية. ومن المعروف أن آخر قافلة مساعدات دخلت إلى الغوطة الشرقية في 17 آب الماضي وتحديداً منذ توقيع الفصائل السورية المسلحة اتفاق «خفض التصعيد» مع روسيا.

تعيش الغوطة الشرقية الخاضعة لهدنة مُبرمة بين الفصائل المسلحة وروسيا تشمل وقف إطلاق النار بين الفصائل ونظام الأسد وحلفائه على رأسهم «حزب الله»، أسوأ المراحل التي مرّت عليها منذ اندلاع الحرب في سوريا على الرغم من عمليات القتل والدمار التي لحقت بالمدينة، وذلك على خلفية الحصار الذي تتعرض له منذ شهرين تقريباً والذي بدأت إنعكاساته تظهر في موت الأطفال وصرخات الأهالي بعد منعهم من الحصول على المواد الغذائية والطبية بالإضافة إلى استخفاف النظام وحلفائه بهذه الهدنة في ظل تكرار عمليات قصفهم للمدينة بشكل يومي الأمر الذي جعل الأهالي يعيشون حالة صعبة جدّاً قد تعيدهم إلى فترة الموت البطيء الشبيهة بتلك التي مر بها أهالي مضايا والزبداني وداريّا.

يوم كانت مدفعية النظام وحلفائه تدكّ الزبداني ومضايا وبعدهما حصار مدينة حلب، كثر الحديث حينها عن ضروة أن يُتبع هذا المُخطط في الغوطة الشرقية الصامدة في وجه كل المحاولات التي تهدف إلى اسقاطها، لكن «الحلفاء» ارتأوا منذ ذاك التاريخ، بأن الصاروخ أو القذيفة لم تعد تؤتي أكلها ولن تنفع أمام شعب قرّر أن يموت في سبيل حريته وكرامته، فكان أن تم استبدال سلاح البارود والنار، بسلاح الجوع والعطش، سلاح جعل الأهالي يرون بأم العين موت أطفالهم من دون أن يتمكنوا من فعل أي شيء، ووالداً يخرج من منزله بحثاً عن بقايا طعام في النفايات قبل أن تضع رصاصة قنّاص حداً لحياته.

ما تُعانيه اليوم الغوطة الشرقية، هو محض انتقام من النظام الذي عجز عن تطويع المدينة وأهلها، يوم ارتكب بحقهم أفظع مجزرة سجلها التاريخ في21 آب العام 2013 والتي راح ضحيتها أكثر من الف شخص نصفهم من الاطفال والنساء بعد قصفهم بغاز «السارين»، والمفارقة أن المجزرة أو الإبادة الجماعية كما وصفها السوريون آنذاك، ارتكبت بعد ثلاثة أيام من وصول بعثة المفتشين الدوليين إلى العاصمة دمشق لتحقيق في اتهامات استخدام النظام السلاح الكيميائي ضد المدنيين، وكأنها كانت رسالة من رأس هذا النظام إلى العالم بأسره بأن الحفاظ على كرسي الحكم لا يمكن أن تحده دماء الأبرياء ولا أشلاؤهم.

في بداية آب الماضي، توسّم أهالي الغوطة الشرقية خيراً بالتهدئة التي بين النظام والمعارضة السورية برعاية روسية والتي سمحت يومها بإدخال مساعدات غذائية وأدوية إلى المدينة عبر معبر الوافدين برعاية الأمم المتحدة، لكن كل ما تم إدخاله في حينه لا يُمكن أن يرمم آثار الدمار والموت اللذين خلفتهما الحرب ولا يُمكن أن يُعيد الحياة إلى طبيعتها في الغوطة. وما يؤكد توقعات الأهالي بأن ما ينتظرهم في الفترة المقبلة هو الموت وحده، عودة النظام إلى إطباق الحصار على المدينة وتجويع أهلها مجدداً، والأخطر منع الدواء والغذاء عنهم والذي نتج عنه موت الطفلة «سحر ضفدع» شهيدة مرحلة الحصار والتجويع.

بدوره طالب الائتلاف الوطني المعارض مجلس الأمن في بيان أمس، «بتحمل المسؤولية تجاه ما يعانيه أكثر من 350 ألف مدني من جوع ومرض وغياب للأدوية في الغوطة الشرقية، مشدداً على ضرورة رفع الحصار الفوري»، مؤكداً أن «قصف النظام الجوي والمدفعي دمر40 من المشافي والمستوصفات التي تؤوي عشرات آلاف النازحين”، مشيراً إلى «تعطل خدمات غسيل الكلى، إضافة إلى وجود 252 حالة طبية حرجة يجب نقلها فوراً إلى خارج الغوطة».

ويلفت ناشطون اعلاميون سورويون في الغوطة الشرقية، إلى أنها «تعاني من أكبر أزمة إنسانية في تاريخ الحرب السورية حيث بدأ منذ أيام انتشار حالات الموت بسب نقص الغذاء، وخصوصاً لدى الرضَّع وصغار السن، وهناك أكثر من 116 ألف طفل يعانون من نقص في التغذية، مع تفاوت في نسبة الخطورة». ودعا هؤلاء الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى تحمُّل مسؤولياتهم تجاه جريمة الحصار واستخدام سلاح التجويع بحق الأبرياء.

ومن المعروف لدى السوريون، بأن النظام لم يعد يتمتع بأي صدقية بين شعبه، وهذا ما يؤكد عليه أهالي الغوطة الذين لمسوا بأيديهم عدم التزام قوّات الأسد بقرار الهدنة إذ انه وبعد مضي ساعة تقريباً على القرار المذكور، قامت مدفعية الأسد بقصف عين ترما وحي جوبر الدمشقي وأمطرتهما في حينه بأكثر من 25 صاروخ أرض أرض. ويعيش في قرى وبلدات الغوطة الشرقية نحو 400 ألف نسمة، وكل ما دخل حتى اليوم من مساعدات غذائية وطبية لا يكفي أكثر من 15 في المائة من الاحتياجات. وما يزيد من خوف الاهالي بالإضافة إلى الحصار والقصف، استعادة النظام خطط التهجير والترحيل سواء من خلال الترغيب أو الترهيب. 

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب