Printer Friendly and PDF

Text Resize

القذافي نحَرَ الدولة على مذبح السلطة

كتب سليمان رياشي في صحيفة "المستقبل":

تغوُّل السلطة على الدولة ليس ظاهرة فريدة في العالم العربي أو في«العالم الثالث»؛ لكن شخصية القذافي، التي قيل فيها الكثير، أعطت الظاهرة خصوصية اتّسمت بالجموح والتقلّب، وتضخيم الذات الشخصية والوطنية، لا تعير اهتماماً ولو بالحدود الدنيا، لحقائق العالم الواقعي وليس المتخيّل.

القذافي، نصَّب نفسه «منقذاً» للشعب الليبي والأمة العربية والعالم وليس أقل من ذلك! وأمعن في تفكيك الدولة منذ لحظة تحكّمه بالسلطة. ففي عام 1969 أطلق شعاره المشؤوم «من تحزّب خان»، وعام 1974 تحوّل الشعار إلى قانون يقضي بالإعدام على كلّ من «يجاهر بانتمائه لحزب سياسي». وسوف يشهد عام 1977 مولد «اللجان الثورية» ثم «المؤتمرات الشعبية» المؤتمرة بأمر اللجان الثورية، وهذه تخضع مباشرة لأمر «الأخ القائد». واكتمل عقد هذه الأفكار «الرشيدة» بتشكيل «المحاكم الثورية» التي خرَّبت الإدارة وعطَّلت ما كان قائماً في مجال القطاع الخاص والمنظمات المهنية والنقابات..

وكانت السياسة الخارجية للنظام صورة لسياسته الداخلية، فاتّسمت بالفوضويّة والتبشيريّة؛ وعلى تبديد الثروة الوطنية على مشاريع الأُبَّهة والاستعراض والبحث عن أدوار في غير مكانها، تبعث على السخرية المرَّة.. عندما انتهت بتتويجه ملكاً لـِ «ملوك أفريقيا»!

هذا وقد نال لبنان قِسطاً كبيراً، مع الأسف، من هذا الشطط الذي بلغ حدود الإجرام.

من الضروري المسارعة للقول إن معمر القذّافي لم يحتكر هذه الخاصية، أي أنه لم يكن الظاهرة الفريدة في تفكيك الدولة، أو ما كان قد تشكّل منها، وبناء سلطة على أنقاضها، قابلة لتجديد نفسها تحت إمرة «قائد ملهم» (والأمثلة كثيرة في النصف الثاني من القرن العشرين في القارات الثلاث وفي العالم العربي ولعل المثال الأقرب ما جرى ويجري في اليمن..)، إنها سياسة تقويض مؤسسات الدولة القائمة وبناء سلطة على أنقاضها قادرة على تجديد نفسها عبر إعادة هندسة المجتمع بما يلبّي تأمين ديمومة هذه السلطة وإذا أمكن تأبيدها. فكيف أنجز معمر القذّافي هذه المهمّة وكيف تصرّف بهذه السلطة في الداخل وفي المحيطَين الداخلي والخارجي الذي يشمل المجال العربي والإقليمي والدولي؟

لعلّ من المفيد، قبل التبسّط في استعراض هذه السياسات، إلقاء الضوء على ملامح شخصية الرجل الذي قاد التجربة، من خلال ما كتبه عارفوه ومتتبّعوه، أو بعضهم على الأقل.

وينقل الدكتور مصطفى التير (في كتاب بين الخيمة والقصر) عن السياسي والديبلوماسي والكاتب الليبي عبدالرحمن شلقم، أن القذافي كان «كارهاً للمكان»، أي أن علاقاته مع المكان الذي نشأ فيه «خلال سنوات طفولته الأولى علاقة غير سوية».. وكذلك بقي الأمر عندما انتقل من موطنه الأول إلى مدينة سرت الأكثر تطوراً ثم إلى مدينة سبها الأكثر تطوراً أيضاً؛ ويرى التير أن هذه العلاقة المضطربة مع المكان، جعلت «الطالب معمّر يتوجّه بتطلعاته نحو الخارج، خارج المدينة التي يسكنها، بل وخارج البلد الذي ينتمي إليه بحكم المولد، وهكذا اهتم بكل ما هو خارج ليبيا...». أما الدكتور محمد المقيرف، الأكاديمي الليبي فيقول بدوره عنه: «شخصية العقيد القذّافي بكل تعطّشها للسلطة وبحثها المستمر عن الأضواء وعن الدور والتي تعيش حالة من النرجسية والانفصام العصابية، وتصر على أن ترسم للعالم صورة خرافية من صنع خيالها المرضي، كما تصرّ على أن تتعامل مع العالم من حولها من خلال تلك الصورة الخرافية...». ثم يضيف المقيرف عن الشخص والظروف التي صنعته وصنعها: «شخص ذو تعليم متواضع وشعب صغير من حيث حجم سكانه حتى بالمقارنة مع الجيران... لكن المتغيّر الذي تدخّل وأفسد المعادلة وجود ثروة كبيرة نسبياً بالمقارنة مع ثروات الجيران وهي ثروة لم تتضخم عن طريق العمل الجاد وإنّما نتيجة استغلال مورد طبيعي مدفون في صحراء مترامية الأطراف كان بالإمكان توظيفها في الداخل.. ولطبيعة توجّهه نحو الخارج وظّف جزءاً كبيراً من هذه الثروة في بناء مجد من خيال..»؛ وتبقى هذه الصورة غير مكتملة من دون الإطلالة، ولو الموجزة، للباحث وعالم الاجتماع التونسي محمد أبو طالب في كتابه: «الظواهر القبلية والجهوية في المجتمع العربي المعاصر..»، فهو يتطرّق إلى نظرة القذّافي نفسه كمنقذ، وإلى الشعب الليبي، «هذه الجموع التي لا ترحم حتى منقذيها»! يعرف القارئ أن «الأخ القائد»، وبالإضافة إلى مواهبه النظرية (الكتاب الأخضر)، قد تعاطى فن الرواية والأدب، وفي نصّ معبّر يحمل عنوان «الفرار إلى جهنم»، يشنّ القذّافي «هجوماً عنيفاً» على (الجماهير) التي منها اشتقّ جماهيريته «طغيان الفرد أهون أنواع الطغيان فهو فرد على كل حال.. تزيله الجماعة.. أما طغيان الجموع، فهو أشد صنوف الطغيان.. كم أحب حرية الجموع وانطلاقها بلا سيِّد.. ولكنني كم أخشاها وأتوجس منها»! وهو كان يعيش حالة خوف دائم من «هذا اللعب الذي يحرق ظهري.. أمام مجتمع يحبك ولا يرحمك..». كما أن الاعتداد بالأصل البدوي مصحوب بهجاء المدينة وأهلها.. فالخيمة «رمز الانتماء إلى الحياة البدوية» حاضرة في الخطاب وهي رفيقة العقيد القذّافي في زياراته للعواصم، ومعها الناقة الحلوب.. وقد بنى له اليابانيون في مدينة سرت قصراً للمؤتمرات على شكل خيمة شاسعة شاهقة.. وأما رأيه بالمدينة وأهلها، فهو أن المدينة «تقليعة، صيحة، انبهار، تقليد غبي، استهلاك لعين.. وجود بلا معنى». وفي تمجيد لحياة القرية والريف يقول: «إن حياة القرية والريف البسيطة المتواضعة القنوعة بعيدة عن الشهوات والكماليات...» إلى آخره. ويقيناً أن المهم ليس مضمون كلام القذّافي عن المدينة والريف، ومستوى الخطاب هذا لا يتفوّق على مستوى طالب في التكميلي يجيب على سؤال: اكتب لي مفاضلة بين الريف والمدينة! وهو في الأصل كلام ينطوي على مفارقة مضحكة، فخيمة مدينة سرت الآنفة الذكر تغصّ بمنتجات الحداثة المادية كافة، كما أن رحلاته وخلواته في خيم الصحراء لم تكن تتم على ظهور الهجن بل في سيارات مكيّفة ومزوّدة بكافة وسائل الاتصال الحديثة.. وبالتالي، فقيمة هذا الكلام ليست في مضمونه «الفكري» بل هو يستمد قيمته من موقع قائله كحاكم للبلاد، وبازدواجية شخصيته وبالوعي الزائف الذي يريد نشره أو تثبيته لدى جمهور يرى إليه من منظور زبائني. أما عن الشعب الليبي الذي يرى إليه «جموعاً.. بلا سيِّد.. يخشاها ويتوجّس منها..»، وأرضاً بلا تضاريس، فلا حرية ولا أحزاب ولا مؤسسات تُسائل وتتم مساءَلتها.. ولا مصالح متباينة ومشروعة على امتداد الكيان الوطني، بل هناك «الجموع» والحاكم الفرد. إنه الديكتاتور الذي قال على لسانه أحد الشعراء العرب الكبار وهو يخاطب الجموع: إني أنتم.. ما أنتم إلا صورٌ منبهمة.. وأنا جوهرها الأقدس!

لكن بمعزل عن التحليل السايكولوجي لشخصية القذّافي، وعن المدرسة التي تنطبق أكثر من غيرها مع واقع هذه الشخصية البسيطة والمركّبة في آن، وهذا ما يتجاوز غرض هذا الملف؛ فالأهم يبقى نظرة القذّافي إلى شعبه ومجتمعه، وخصوصاً الآليات التي استخدمها لترويض هذا المجتمع وإعادة هندسته، بما يخدم أهداف سلطته المطلقة، ثم كيف استخدم هذه السلطة ووظفها، في الداخل أولاً، ومن ثم في الخارج؟!

آليات تفكيك الدولة وتركيب السلطة

يعتقد بعضهم أن مسيرة القذّافي «الإصلاحية الثورية» بدأت في العمر المبكر لنظامه، في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1969، وفي خطاب أمام نقابة المعلمين في العاصمة طرابلس قال: «نحن قضينا على الحكومة، والموجودة الآن ليست حكومة بالمعنى التقليدي، ما هو موجود الآن هو سلطة الشعب»؛ لكن سلطة الشعب هذه، سوف تنتظر حتى عام 1973 كي تعلن رسمياً في مدينة زواره. أما الهمُّ المباشر للعقيد القذّافي فسوف يتمثّل بطموحاته ومشاريعه «الوحدوية» الفاشلة مع مصر وسوريا والسودان.. ولأن ما يتحكّم بهذه المساعي، عقل مغامر وتبسيطي، فاقمت من اندفاعاته الطفرة النفطية بما وفّرته من إمكانيات جعلته يعتقد أن إرادويته تكفي لإزاحة العقبات والمصاعب كافة، فلم يكن بإمكانه أن يستخلص من الإخفاق إلاّ المزيد من الإرادوية وروح المغامرة.

أما على صعيد «إعادة الهندسة» السياسية والاجتماعية الداخلية فسوف تتضح في خطاب له في زوارة، كما سبق القول، حيث أعلن نقاطه الخمس الشهيرة: (1) تعطيل العمل بالقوانين القائمة، (2) القضاء على الحزبيين وأعداء الثورة، (3) إعلان الثورة الثقافية، (4) إعلان الثورة الإدارية وإلغاء البيروقراطية، (5) إعلان الثورة الشعبية. ويجدر القول إن تطبيق تنفيذ بعض هذه التوجهات كان قد بدأ قبل هذا التاريخ. فشعار «مَن تحزَّب خان» الذي كان قد طرحه غداة نجاح انقلاب عام 1969، تحوَّل عام 1972، إلى قانون يقضي بعقوبة إعدام مَن يجاهر بانتمائه إلى حزب سياسي، أو يعمل في السرّ لإنشاء «حزب سياسي». ومنذ مطلع الانقلاب، منع النظام الجديد الصحافة، وأنشأ صحيفة يومية باسم «الثورة» وهي الصحيفة التي «تخصصت في التبشير بأفكار النظام الجديد..».

ولادة اللجان الثورية

وسوف يشهد عام 1977، ولادة «اللجان الثورية»، من خلال تأسيس أولى هذه اللجان في جامعة طرابلس، وهي قد حدّدت مهامها على الوجه التالي: (1) تحريض الجماهير على ممارسة السلطة، (2) ترسيخ سلطة الشعب، (3) ممارسة الرقابة الثورية، (4) تحريك المؤتمرات الشعبية، (5) ترشيد اللجان الشعبية وأمانات المؤتمرات، (6) حماية الثورة والدفاع عنها والدعاية لها.. وسوف تتتالى عملية تأسيس اللجان.. وبالتدريج باتت البلاد أمام صيغة حكم هجينة تتمثل بـ«المؤتمرات الشعبية» التي تأتمر بأمر اللجان الثورية، وهذه تأتمر مباشرة بأمر«الأخ القائد».. أي أمام صيغة لحكم الفرد تشكّل تنويعة من تنويعات حكم الديكتاتوريات الذي انتشر في العالم العربي في الحقبة التي سبقت أو عاصرت التجربة الليبية. واكتمل عقد هذه التشكيلات، بإنشاء ما عُرف بـ«المحاكم الثورية»، المشكّلة بنفس يغالي في شعبويته، ومن غير ذوي الاختصاص والكفاءة القانونية، فأمعنت في تخريب الإدارة تحت شعار «محاربة البيروقراطية»، وشلَّت عمل ما كان قد تبلور من قطاع خاص في المرحلة السابقة، تحت شعار مكافحة الفساد والاستغلال والتبعية للأجنبي.. وإلى جانب هذه التشكيلات، تمَّ ابتداع صيغة «مؤتمر الشعب العربي» كإطار يجمع دورياً أحزاباً ومنظمات من مشرق العالم العربي ومغربه، بعضها جماهيري تمثيلي، وبعضها لا يمثّل إلا نفسه، للتداول بشؤون العرب والعالم! وكل هذا الهذر، كان عليه أن يستوحي بصورة مباشرة أو غير مباشرة نصّاً مقدّساً جديداً تمثّل بـ«الكتاب الأخضر»، الذي خطّه، أو هو نُسب إليه، قائد البلاد معمَّر القذّافي.

الجيش و«كتائب القذافي»

وفي موازاة الضخّ الايديولوجي الكثيف والضاغط على المجتمع الليبي، والضخّ الايديولوجي تجاه العرب شعوباً ودولاً، انكبّ النظام بدأب وبكل ما يملك من إمكانات مادية وسياسية على تدعيم سلطته بالاستناد إلى القوى الأقل تطوّراً في المجتمع، أي القوى التي مجَّدها خطاب القذّافي أي القوى القبلية والريفية، بصرف النظر عن أماكن سكناها، في الريف أو الدساكر أو المدينة، والقارئ يعرف جيداً أن الريفي الذي ينتقل إلى المدينة لا يصبح مدينياً قبل جيلين وربما أكثر، فالذهنيات تتطوّر ببطء شديد وبخاصة في ظل التخلُّف الاقتصادي وبطء تطور قوى الإنتاج والعلاقات الإنتاجية. ويميل النازحون من الأرياف إلى إعادة التجمّع قبلياً أو عشائرياً أو مناطقياً. وقد لعب النظام بأقصى ما يستطيع على هذه العوامل من خلال الضخّ الايديولوجي المعزّز لقيم ما قبل النزوح، يساعده على ذلك اقتصاد ريعي، وحيث قسم وافر من الريع يُستخدم لشراء الولاءات أو تعزيزها. والنظام الليبي لم يقصِّر في هذا الجانب، لكنه بالغ في اللعب على التناقضات فقرَّب بعضها ومنحه الامتيازات في السلطة السياسية وفي كسب وسائل العيش، وأقصى بعضاً آخر، بناء على تقديره لقوّته أو ولائه السياسي. وبالمنطق نفسه مورست سياسة المصاهرات في قمّة السلطة، وعلى المنوال نفسه بين أجهزة السلطة المدنية والعسكرية والأمنية؛ ونظراً لحساسية ولاء المؤسسة العسكرية للنظام وللحاكم الفرد، ورغم المليارات التي صُرفت على بند شراء السلاح، فقد بقي الجيش الليبي متواضعاً في عديده وإمكانياته، وذلك لصالح ما سُمِّي بـ«كتائب القذّافي»، على غرار وحدات الحرس الجمهوري أو الحرس الخاص، في العديد من البلدان العربية التي شهدت انقلابات عسكرية.. وأنظمة استبدادية؛ وقد كشفت حرب القذّافي على الجارة تشاد، من ضمن ما كشفته، هشاشة القوات النظامية الليبية، وطرحت تساؤلات بشأن المليارات التي رُصدت للتسلح، واستدعى الأمر الاستنجاد بالمتطوعين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين وغيرهم للدفاع عن ليبيا «الثورة» في رمال شريط (أوزو) التشادي. ومعروفة قصة استسلام خليفة حفتر ورفاقه وما تلاها من أسر، وتسليم للأميركيين – وبحدود ما نعلم فإن «كتائب القذّافي» لم ترسل للقتال على الجبهة التشادية، فهي مخصصة للدفاع عن النظام وليس الوطن، كما سوف يتبيّن لاحقاً في سلوكها الشرس والدموي إبان مرحلة «الربيع الليبي».

إذاً، السلطة أولاً. فكتائب حماية النظام أهم من الجيش الوطني، والولاء القبلي، رغم الكلام الرومانسي عن القبيلة والريف، له الأسبقية على أي أمر آخر، وللولاء ثمن يحدّده «الأخ القائد»، والثمن كان أبعد من أن يقتصر على الأعطيات والهبات بعيداً عن أي شفافية، بل يُترجم بالمواقع والمناصب والتسهيلات، بعيداً أيضاً عن الشفافية في تفحُّص الأهلية والكفاءة. ومرّة أخرى الأهم هو الولاء ثم الولاء. لذلك، وعلى حساب الدولة ومتطلبات استكمال بنائها، وعلى حساب استكمال بناء الديموقراطية وموجباته، وعلى حساب بناء اقتصاد مُنتج يستشرف مرحلة ما بعد النفط ويتحسّب لها، تمّ بناء سلطة تتصرّف بالريع النفطي لشراء الولاءات التي تتكفل ببقاء النظام. لكن ماذا عن المجال «الحيوي» للنظام الليبي، أي العالم العربي، وماذا عن المجال العالمي الأوسع، وكيف وظّفت السلطة الليبية قدراتها فيهما؟

على قاعدة أن الإناء ينضح بما فيه، وأنه من غير المتوقع من نظام تصرّف مع شعبه بالطريقة التي ذكرنا بعض أوجهها، فلا يمكن أن نتوقع منه سياسة خارجية تختلف عن سياسته الداخلية، إلا بما يضعه النظام والقانون الدوليين من قيود كابحة، وحتى بعض هذه القيود جرى تجاوزها من قِبَله، كلّما وجد إلى ذلك سبيلاً. فعلى قاعدة الشعارات التبسيطية عن الثورة والوحدة العربية، والعدالة الاجتماعية، واستناداً إلى ثروة غير مسبوقة تدفقت فجأة من جراء الطفرة النفطية، اعتقد الرجل أن بإمكانه الدخول في مغامرات أو ممارسة سياسية تفوق إمكانيات بلاده البشرية والمادية غير المالية، وذهب بعيداً في تجاوز القوانين والأعراف الدولية التي رسى عليها عالم ما بعد الحرب الثانية، والتوازنات التي نشأت، وتقاسم مناطق النفوذ.. بغض النظر عن أي تقويم سياسي لذلك.

وقد سحبت الايديولوجيا التبسيطية القذّافية نفسها على النظر إلى الأوضاع العربية، فكما رأى النظام إلى المجتمع الليبي أرضاً بلا تضاريس، فهو جماهير والبلاد جماهيرية، كذلك رأى إلى الخارطة العربية، فهي ليست كيانات وطنية مستقلة بموجب القوانين الدولية، وواقع الحال الذي تشكّلت على أساسه الدول (الدولة – الأمّة) منذ ما بعد معاهدة وستفاليا 1648، والذي على أساسه أيضاً تشكّلت منظمة الأمم المتحدة؛ بل هي كتلة هلامية اسمها الجماهير العربية، قابلة للفك والتركيب، وهي تنتظر الفاعل الإرادوي، الذي إذا قال فعل! وطبعاً، نظام القذّافي لا يحتكر هذه النظرة التبسيطية إلى الأمّة العربية، فهذه النظرة سادت لدى العديد من النُخب العربية منذ مطالع القرن العشرين على الأقل، ولا حتى من خيبات التجربة الناصرية على هذا الصعيد (التوحيد الفوقي)؛ كما أن النخبة الحاكمة في ليبيا لم تستخلص ما هو أساسي في التجربة «الوحدوية» الأوروبية (التي تجري عند عتبة بلادها) أي البدء بنسج المصالح المشتركة عبر الاقتصاد والخطوات التدرجية في تجاوز الحدود والسدود؛ فسلكت الطريق التي اعتقدتها الأسهل، أي الوحدات الفوقية التي تتناسب مع الشعارات وتنفصم عن الواقع، ولذلك تراكمت الخيبات، وبعد كل خيبة يزداد الإمعان في الخطأ!

ومن علامات الإيغال في الخطأ، التدخل الفظّ في شؤون الدول والكيانات العربية، ومحاولة تطويع سياسات أحزاب وقوى حركة التحرر في المنطقة عبر النفوذ والمال.. والأمثلة التي تشهد على هذا الإيغال تكاد لا تُحصى، وقد نال لبنان بعض منه، بلغ ذروته في الجرم الشنيع الممثّل بتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقَيه والذي يتتالى فصولاً محزنة حتى الآن. وهذا الفعل الآثم، لا يتناقض فقط مع القانون الدولي وحقوق الإنسان التي تُلزم الدولة الليبية، بل يصدم، بقبح، القيم العربية.. والبدوية التي طالما تغنّى بها رموز النظام، فوفقاً لهذه القِيَم (المدّعاة)، لا يُساء للضيف تحت أي ظرف، والضيف وفق الأعراف، هو سيّد المنزل (أي البلد) إلى أن يغادره؛ والضيف نتفق معه أو نختلف، ولكننا لا نغدر به! إن هذا التدخّل الفظّ، حرم اللبنانيين جميعاً، وليس فقط طائفة لبنانية، من حضور وفعل شخصية بارزة رفعت شعار التسامح والتعايش المتآخي بين اللبنانيين، وبشّر بأن لبنان وطن نهائي لكل بنيه وبناته. ويقع في السياق الموبوء ذاته، اعتقال الضابط السوداني هاشم العطا في مطار طرابلس وتسليمه لنظام الرئيس جعفر النميري في الخرطوم ليتم إعدامه بعد أيام؛ وهذا مرّة أخرى، خلافاً للقانون الدولي وحقوق الإنسان.. وخلافاً لشهامة البداوة التي طالما رفع النظام رايتها كقيمة ذات قدسيّة.

هذا وقد انكشفت خلال السنوات القليلة الماضية، خيوط حبكة، بمسؤولية النظام، وكانت تستهدف اغتيال ملك المملكة العربية السعودية السابق الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، وتعامل السعوديون مع المحاولة على جاري عادتهم بحزم وبلا توتر. وهذا غيض، تكشَّف، من فيض محاولات يحكمها العقل المتهوّر نفسه.. أما عن التدخّل الفجّ في الشأن الفلسطيني، فالحديث يطول وله سياق آخر.

بعد العدوان الذي شنَّه الطيران الأميركي على ليبيا عام 1986، واستهدف مواقع عدّة في العاصمة وخصوصاً ثكنة العزيزية التي كان النظام يعتبرها إحدى قلاعه، كنت شاهداً على حديث سياسي بين صديقين يمزج بين الجدّ والسخرية المُرَّة، سأل أحدهما الآخر: بعد الهجوم عدَّل العقيد القذّافي الاسم الرسمي للبلاد ليصبح الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية.. العظمى، تُرى إذا حصل عدوان جديد ماذا سوف يكون التعديل الجديد؟ فأجابه:.... العظمى جداً!

«النهر الصناعي العظيم»

لقد مرَّت العلاقات الليبية بالعالم الخارجي وخصوصاً الغربي، بتعقيدات كثيرة، ولم يكن لمعظمها علاقة بالمصالح العليا لليبيا، أو بالمصالح الحيوية للشعب الليبي. فمسألة القاعدتين الأميركية والبريطانية، كانت المعاهدة المعقودة بشأنهما سوف تنتهي مع نهاية عام 1971. وكانت المفاوضات حولهما قد بدأت عام 1964 أي قبل وصول معمر القذّافي إلى السلطة؛ النظام الجديد استأنف المفاوضات التي انتهت بانسحاب البريطانيين في 28/3/1970 والأميركيين بعد ما يقرب من ثلاثة شهور أي في 11/6/1970. لكن هذه التعقيدات المُشار إليها، ورغم الشعارات التي استمرّت بشأن الاستعمار، لم تمنع أفضل العلاقات الاقتصادية التي لم تقتصر على تجارة النفط والغاز، بل شملت التجارة على أنواعها، ومشاركة الشركات الغربية وخصوصاً الأميركية في مشاريع البنية التحتية على أنواعها؛ بما فيها «العملاقة»، كمشروع «النهر الصناعي العظيم»، الذي ما زالت السجالات تدور بشأنه، هل هو مشروع حيوي أنقذ شمال البلاد من العطش والتصحُّر، أم مجرّد مشروع أبهة اخترعته «الخبرات» الأجنبية لابتزاز أموال الليبيين (كلَّف 37 مليار دولار)؟

وعلى الصعيد الخارجي كذلك، تميّز نظام القذّافي بالتدخّل الفظّ في شؤون الدول والشعوب ومساندة قوى متّهمة في بلادها بممارسة الإرهاب، من الجيش السرِّي الايرلندي في بريطانيا إلى جبهة تحرير المورو في الفيليبين وما بينهما. وضبطت مخابراته بالجرم المشهود في حوادث إرهابية مشهودة، تداولها الإعلام بكثافة من مثل تفجير مقهى في برلين يرتاده العسكريون الأميركيون، إلى تفجير طائرة (لوكربي)، إلى تفجير طائرة ركاب أخرى فوق النيجر إلخ.. وكانت محصلة هذا الجنون دفع مليارات كثيرة من الدولارات لأُسر الضحايا، والأخطر وضع البلد برمّته ضمن دائرة العزلة والشبهة والضغوط من كل نوع.. ونتيجة لسياساته المغامِرة في كل اتجاه، وكثمرة لخيباته من تداعيات هذه السياسات، وكمحصلة لعجزه بل رفضه استخلاص الدروس ومراجعة الذات.. اندفع باتجاه القارة الأفريقية بسياسة الطيش والرعونة ذاتها؛ واندفع العقل التبسيطي لـ«الأخ القائد» نفسه نحو قارة يعجز عن قراءة تعقيدات بنياتها وخصوصياتها، وبعلاقتها الشديدة التعقيد مع المتروبولات السابقة التي كانت تحتلها. وتحوَّل «القائد الملهم» في محصّلة الأمر، إلى ظاهرة تهريجية مؤلمة ومهينة، عندما تمَّ تتويجه ملكاً لـ«ملوك افريقيا»!

لكل ما ورد في هذه الصفحات وما لم يرد كذلك، يمكن القول بدون شبهة المغامرة، أو البحث المضني عن المؤامرات الحقيقية أو المتخيلة، أن «جماهيرية» الأخ معمر بفعل التطورات الداخلية وتراكماتها، وبفعل تأثيرات موجات «الربيع العربي» بموجاتها الثلاث (تونس، اليمن، مصر..)، وبفعل عزلة النظام العامة عربياً ودولياً، كانت مهيّأة، إن لم يكن لثورة لم تنضج قواها، بل لتصفية حساب عنيفة مع النظام الذي طالما بادرها بالعنف، بكل التداعيات التي تتالى فصولاً تحت أنظارنا، وأنظار العالم اليوم. 

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب