Printer Friendly and PDF

Text Resize

زيارة الملك سلمان التاريخية إلى روسيا.. نظرة إلى المستقبل

11 October 2017

حظيت زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز التاريخية إلى روسيا باهتمام سياسي وإعلامي تجاوزا مؤسسات الدولتين إلى مراكز الأبحاث والإعلام الدوليين، ما أعطى نتائجها واحتمالات مستقبلها أبعاداً سياسية وعسكرية وأمنية تتجاوز ما حققته من المصالح الثنائية للشريكين إلى ما يمكن أن تحدثه من تأثير في أوضاع المنطقة ومستقبل علاقاتها بالدول الكبرى، وإعادة ترتيب أوضاعها.
الزيارة أسست لحزمة من المصالح المتبادلة ليس من السهل التحلل من ثمراتها، وبالتالي فهي مرشحة لأن تقود إلى تشابك العلاقة وتنميتها والحرص عليها، وهذا سينعكس، بالضرورة، على العلاقة مع جميع الشركاء في المنطقة وخارجها، إذ تم الاتفاق بين الدولتين على التعاون في مجالات الطاقة والفضاء والتسليح والاستثمار والنفط، إلى جانب زيادة التعاون في المجالات العلمية والثقافية. ومن المؤكد أن اللقاء كان فرصة مميزة لمناقشة مسائل الخلاف في قضايا تؤرق الجميع وتؤثر في استقرار المنطقة، وتفسير المواقف المتباينة تجاه بعض الملفات، بهدف تقريب وجهات النظر، في إطار ما هو متفق عليه من صيانة وحدة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومحاربة الإرهاب.
والزيارة ربطت البلدين بمصالح ومنافع متبادلة ذات منحنى استراتيجي، فهي للسعودية خطوة جادة على طريق «تنويع» مصادر القوة وبناء علاقات مع لاعبين دوليين خارج إطار علاقاتها التقليدية، بعد أن كان يظن أن الخلافات القديمة مع الكتلة الشرقية، بكل تراكماتها العقدية والعسكرية، تحول دون توطيدها في شكل يجعلها موضع ثقة واعتماد، وجاءت هذه الزيارة «لتكسر» هذا الوهم، على رغم أن التوجه السعودي إلى روسيا، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، اتخذ خطوات متقدمة، إلا أن هذه الزيارة أزالت كل ما يدور من شكوك في أذهان المراقبين، الذين لم يدركوا جدية هذا التوجه وقدرته على تجاوز «الماضي». وكان كثير من المراقبين «يصرون» على أن علاقة الرياض مع الغرب، وبالأخص مع واشنطن، وترابط المصالح العسكرية والأمنية والاقتصادية والعوامل المؤثرة في سوق الطاقة لن تمكن السعودية من خطو خطوات جادة في هذا الاتجاه، وربما زاد في شكوك المحللين أن الجانب الروسي ارتبط بحلفاء، في هذه المنطقة تتقاطع أهدافهم مع المصالح السعودية، وبالتالي لن تفسح المجال لنمو تفاهمات واتفاقات تساعد في تطور العلاقة بين السعودية وروسيا، لكن الزيارة جاءت لتبدد تلك الشكوك وتسجل، بصورة عملية، رغبة الطرفين في زيادة التقارب وتوسيع دائرة الفهم والتفاهم. وليس خافياً أن العلاقات الدولية لم تعد كما كانت في الماضي؛ دولة كبرى تدور في فلكها مجموعة من الدول لا تستطيع الفكاك من هيمنتها، هذه الصورة لم تعد «صارمة» بعد أن تعددت القوى الصاعدة، التي شجعت على بناء علاقات مؤسسة على المصالح، مع استثمار العلاقات التاريخية لتوطيدها وزيادة فعاليتها من دون أن تمنع قيام علاقات أخرى موازية تحقق المصالح الوطنية.
إذن، ليس هناك ما يحول دون بناء علاقة مميزة بين المملكة وروسيا، على قاعدة المصالح والتوافق على كثير من السياسات الداعمة لتيار محاربة الإرهاب، والوقوف في وجه نزعة التشدد والتطرف التي تتأثر بها غالبية الدول والمجتمعات. وإذا كانت الزيارة مهمة للسعودية فهي مهمة لروسيا أيضاً في نتائجها السياسية والاقتصادية والصناعية والاستثمارية، كما هي مفيدة للطرفين في سوق النفط، التي تمر بمرحلة حرجة، فالتفاهم والتنسيق بين البلدين يساعد في إيقاف حال الانهيار وإعادة الثقة إلى الأسواق بما يحقق مصالح المنتجين والمستهلين، وبما يمكن الاقتصاد العالمي من التحرك في اتجاه النمو.. والزيارة «تكتب فصلاً» جديداً في علاقة موسكو بالمنطقة، وتفتح أمامها أبواباً كانت موصدة بسبب تقاطع المصالح والانحيازات الإقليمية وحال الاضطراب الناشئة من الأوضاع في سورية والعراق واليمن، وعلاقة روسيا بإيران، التي بدت وكأنها على حساب علاقاتها مع الدول العربية المؤثرة.
روسيا أمضت سنوات تعيد ترتيب بيتها من الداخل من مخلفات الاتحاد السوفياتي، وترمم جدرانه وتعمل على معالجة خلافات أهله، وتخضع «العصاة» منهم للنظام، وكانت تواجه تحديات الداخل وضغوط الخارج، الذي يريد أن يصفي حساباته مع وريث زعيمة المعسكر الشيوعي، ونجحت في الخروج من تلك المرحلة، على رغم تكاليفها الباهظة، أكثر قدرة على التمسك بإرثها الفاعل، والعمل على توسيع مجالها الحيوي، والالتفات إلى شبكة تحالفاتها، وكانت هذه المنطقة التي نعيش فيها هي ثاني ساحة تتوجه إليها، بعد شريط التماس مع أوروبا الشرقية، وتمكنت، في ظل أخطاء سياسات الإدارة الأميركية وتراجع الدور الأوروبي، أن تؤسس حضوراً، بدا ضعيفاً، لكنه تنامى سريعاً، مستغلاً طموح البعض وحاجة الآخرين إلى الحماية. سجلت روسيا حضورها وأصبحت لاعباً أساسياً، واقتنع كثيرون بأنها شريك أساسي في معالجة القضايا الشائكة، ومؤهلة لتكون شريكاً ضرورياً في قضايا الطاقة والصناعة، وسوقاً ضخمة جاذبة للاستثمارات الكبرى، بعد أن أصبحت بعض الأسواق طاردة، أو على الأقل ليست مشجعة، وشريكاً في بناء القوة العسكرية ومحاربة الإرهاب، وشريكاً في حل العقد السياسية في ظل تنامي نزعة «الانفصال» والعزف على العرقية والطائفية، التي يستغلها بعضهم لإبقاء هذه المنطقة على صفيح ساخن. وإذا أرادت روسيا تثبيت حضورها في هذه المنطقة، بما يقربها لشعوبها ويكسبها صداقتهم، فهي مطالبة بمعرفة طبيعة وحقيقة المشكلات والعوامل الأساسية فيها وعدم الوقوع في «خداع» الأخطاء الظرفية أو الأسباب الطارئة، كما يفيدها التعرف على مكونها الثقافي والاجتماعي والتاريخي الممتد عبر مئات القرون، ولا تدخل في تحالفات ضد التيار الرئيس حتى وإن بدا لها في هذه المرحلة في حال ضعف، تاريخ هذه المنطقة يؤكد، على مر التاريخ، أن المكون العربي هو الذي يشكل العمود الفقري الذي تقوم حوله تشكيلات الدول والمجموعات، لقدرته على استيعاب كل المكونات بما يحفظ لها اختلافها وإنسانيتها وشعورها بانتمائها الأصيل، وأي تجاهل لهذه «المسلمة» لن يكون في مصلحة من يريد صداقتها، وسيدفع بالمنطقة كلها إلى استمرار حال عدم الاستقرار، وهذا ليس معناه تجاهل الآخرين أو التقليل من شأنهم أو تجاهل أهمية احتوائهم، بل المقصود أن القفز على هذه الحقيقة لا يساعد في علاقات مستقرة.
ومن المعروف أن المملكة العربية السعودية هي رأس هذا التيار الفاعل، والالتقاء معها على مبدأ المصالح واحترام الهويات يؤسس لعلاقة صحية تحمل في طياتها عوامل الاستمرار، بسبب مكانة الرياض في محيطها العربي ومجالها الإسلامي.

صحيفة الحياة

الكاتب: 
محمد المختار الفال
2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب