Printer Friendly and PDF

Text Resize

ماذا عن صعود «الديموقراطيات التوتاليتارية»؟

23 April 2017

تجري الدورة الأولى، اليوم، من الانتخابات الرئاسية الفرنسية (وقبلها الاستفتاء البريطاني حول الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفي 8 أيار المقبل، انتخابات تشريعية برلمانية مبكّرة أيضاً في بريطانيا)، وعندنا في لبنان البحث الصعب عن نظام انتخابي «جديد»... وبشار الأسد يقترح انتخابات برلمانية في سوريا... عال! كأنَّ الديموقراطية شغالة شرقاً وغرباً...

لكن السؤال: هل من جدوى تغييرية، أو ترميميّة، أو إصلاحية، (غير مسبوقة) من مجمل هذه «النشاطات، التي تستنفر هذه الشعوب، بقياداتها، ونظمها، وبنياتها؟ أم أن فشل هذه النظم، بطوابعها التمثيلية، يبحث عن تعويض أو تبرير، أو ذرائع له. أتصبح الانتخابات ظاهرة ذريعية؟». يعني، أن الديموقراطية، باتت مهدّدة، بمجمل قيمها الموروثة... والمكتسبة؛ هل هي بقيت أمكنة صالحة لهذه الديموقراطيات الغربية والشرقية، وسط كل هذا الغبار (حتى الوحول)، أم أن وراء كل هذه المظاهر نيّات، أو رغبات مضمرة، أو ظاهرة، للقضاء على الديموقراطية التمثيلية، لتحل محلها تقسيمات عمودية تعبّر عنها هذه الشعوب في أشكال رفضها، كل الإرث التاريخي لهذه الديموقراطية المفتوحة؟

هذا الرفض الذي يترجم ما آلت إليه المجتمعات من آليات مفتوحة الى مجتمعات مغلقة، أشبه بالغيتوات، أو الكانتونات.

لكن ما هو أخطر، أن كل هذه الضوضاء التي تعمّ الساحات، والمجالس، والأحزاب، أنّ اليمين واليسار (لم يعد بينهما فارق أو وسط)، يجتمعان على الإجهاز على كل ما صنع إرثهما التاريخي، ما يعني أنّ كليهما باتا على طريقتهما يُحطّم ما ساد بعد الحرب العالمية الثانية (وبعد اتفاق روما 1960) من انفتاح، وتبادلية، وشفافية الحدود، واختراق الكتل التاريخية التي ازدهرت في الحروب الدينية (القرون الوسطى)، والإيديولوجية (في القرن العشرين)؟. وهل هذا يعني انتهاء الزمن اليوتويبي (الإيديولوجي)، بين أنظمة ليبرالية غربية، وأخرى توتاليتارية؟ أم أن الليبرالية باتت، بمفهومها المتوحش والطاغي المعولم، هي التوتاليتارية الجديدة؟

قال أحد المفكرين: القرن العشرون هو قرن التوتاليتارية، والحادي والعشرون هو قرن «الشعبويّة»!

لكن هذا التوصيف يضيع في الحدود السائبة بين الشعبوية والتوتاليتارية: كأن تقول إن توتاليتارية القرن العشرين هي الشعبوية بامتياز، وإن شعبوية اليوم تتمتع بمواصفات التوتاليتارية: الضحية المعلنة هي الديموقراطية، أي حكم الطموحات الشعبية، والمجتمعات التعددية، والمفتوحة. فإذا كانت كل توتاليتاريّة، هي في جذورها (الدينية أو اليوتوبية) نظاماً مغلقاً، فيعني ذلك، أنّ الشعبويّة، مثلها، بتركيبها، ومسالكها وأعراضها هي نظام مغلق: من هنا نجد أنّ كل ما صنعته المجتمعات الشفافة، ذات الديموقراطيات (وإن سائلة)، بعد نهاية الحرب العالمية، يتفكك: الاتحادات الدولية (الاتحاد الأوروبي، الحلف الأطلسي، البرلمانات «العالمية»، الأمم المتحدة، صيغ التبادلات الدولية والفنية والفكرية، والاندماجات الدينية، والعرقية، والاجتماعية، والاقتصادية)، تضاف الى ذلك الانقلابات التي تفرض بالقوة أو بالشعبوية كما في اليونان، وتشيلي، وفنزويلا، وروسيا (وحديثاً تركيا)، من دون أن ننسى الصين، وكوريا الشمالية، انسحاباً، الى ما ميّز القرن العشرين خصوصاً في العالم الثالث: الانقلابات الدموية، في سوريا (البعث الأسدي)، والعراق (البعث الصدامي)، وليبيا (الماوية القذافية)، فـ«اليمن» (الاشتراكية الشيوعية)... ويضاف الى كل ذلك ما درج على استعمال الاستفتاءات (99,99 في المئة)، كتوتاليتارية مقنّعة أو سافرة.. حلت الاستفتاءات محل الانتخابات: فالأولى المتصلة بالشمولية تقدم نفسها بوصفها أنظمة قائمة لتحقيق ديموقراطية اجتماعية (إجماعية)، تحدد لنفسها، ليس طرق إدارة، بل بمضامينها، بصرف النظر عن الممارسات: أي مضامين تعبّر عن إرادة الشعب (الواحد)، أي لخدمة هذا الشعب، بادعاء تعارضها مع الديموقراطيات البورجوازية القائمة على الصفقات وخيانة الشعب.

وهكذا تبدو التوتاليتارية نوعاً من «الباثولوجيا» الفصامية الداخلية للديموقراطية. وهذا ما ينطبق على الشعبوية التي تدعي إعادة بناء ديموقراطية، جمّدتها الحياة السياسية، في أنظمة فاسدة، ومفسدة، متمثلة بعدم المساواة الاجتماعية، والبطالة، وسوء البنى الموروثة والأزمات الاقتصادية وترك الساحة مفتوحة «لغزو» خارجي يتمثل بالمسلمين، والأفارقة، والمكسيكيين والغجر، وكل من ليس من أرومة تشاكل اللون، أو الدين، أو التركيب البيولوجي، أو حتى التاريخي. ومن هنا مفارقة مدهشة: فبالتوازي مع نمو أشكال المعرفة بالعلوم والتكنولوجيا والاتصالات، شهدنا ونشهد انهيار الجسور، والسلطات «غير المرئية» التي تشكل وشائج المجتمعات الشرعية، السلطة، الثقة، التواصل، الاستمرارية، التراكمية. العالم يبدأ من الصفر.

المجتمعات العربية

هنا تحديداً يمكن الكلام على بعض المجتمعات العربية قبل الانقلابات العسكرية، في سوريا، والعراق، ولبنان والكويت... التي بدت في مجملها مجتمعات مفتوحة تسعى الى تقرير ديموقراطياتها الطرية (بعد مرحلة الاستقلال).. فسوريا قبل غزوة البعث ثم آل الأسد، كانت بنية تعددية حزبياً، وسياسياً، وفكرياً، واثنياً ودينياً. كان هناك انتخابات برلمانية تفرز موالاة ومعارضة. ومنصات صحافية عديدة، متنوعة في مواقعها ومواقفها. وكل ذلك تجمعه دولة برئيس جمهورية منتخب، ومجلس نيابي منتخب، وحكومة منبثقة من شرعية الإثنين. كانت سوريا، على خطى التنوير بقيمه، وأفكاره، وإنجازاته. فلا رئيس مفروضاً من الأجهزة أو من الأخ الأكبر ولا مجلس نيابياً معيّناً، ولا حكومة صنيعة دكتاتور.

الإنقلاب العسكري البعثي، أطاح كل ذلك، وحوّل المجتمع السوري رهينة من رهائن النظام، فأغلقه على تطلعاته، وحرياته، وتفاعلاته، وجدلياته. ضرب البعث كل مقومات المجتمع المدني، أحلّ الاستفتاء الرئاسي محل النظام التمثيلي التشريعي. ضرب الأحزاب وصفّاها، من يمينية الى يسارية الى محافظة الى وسطية. لا أحزاب سوى حزب الدكتاتور.. صفى النقابات والهيئات الأهلية، أطاح الصحف والمجلات وصادر التلفزيون: كل شيء في أيدي نظام توليتاري على شاكلة «المنظومة الاشتراكية» (التابعة للاتحاد السوفياتي). فحافظ الأسد ستالين سوريا، وصدام حسين تشاوسيسكو العراق، والقذافي ماو تسي تونغ ليبيا، وهكذا أغلق النظام السوري المجتمع، وسدّ عليه كل المنافذ.. وشلّ قدراته ورغباته بطرق شعبوية - بوليسية - وإجرام سافر.

نظام البعث السوري، نقل هذا البلد العريق بتراثه وثقافته وإبداعه، من مجتمع مفتوح الى مجتمع مغلق...

لبنان

أما لبنان، قبل 1975، فكان منارة من منارات الديموقراطية، وواحة من واحات الحرية، (وإن نسبية)، وموقعاً للصراعات والمنافسات القائمة على التعددية، ومثالاً للاندماج الإنساني والوطني في تشابكه وديمغرافياته... انتخابات الى حدٍّ كبير حرّة، برلمانات شرعية، حكومات طالعة من العمليات الانتخابية: سلطة ومعارضة؛ هكذا كان التصنيف الواقعي. بيروت موئل كل الأطراف والأرياف، ومحجّ العالم كله من عرب وأجانب، ونقابات قوية، وأحزاب متنوعة، من شيوعية، ويسارية، ويمينية واشتراكية، وحتى مذهبية. كل شيء كان تحت سقف الدولة. كان لبنان نموذجاً للمجتمعات المفتوحة، حتى انقضّ عليه أشرس طغاة العالم، وضربوا نموذجه: إسرائيل وبيغن وشارون، وحافظ الأسد، وصدام حسين، والقذافي... وصولاً الى إيران والخميني وخامنئي، فلا بيروت نجت، ولا الجبل، ولا الساحل بمدنه. خطوط تماس وحدود داخلية مغلقة، ليزرعوا فيه فيروس التقسيم والكانتونات، والطائفية المتجددة، والكراهية بين أبنائه، والخوف من بعضهم. عرف هؤلاء الطغاة كيف يجعلوا لبنان على صورتهم... فانغلقت مكوناته على بعضها، ورُفعت جدران بينها، وأعلنت «إدارات محلية مستقلة» ودويلات بميليشيات... كلها مرتهنة للخارج. ولبنان كاد يغلق: لا أحزاب مستقلة، أو أحزاب انخرطت في الحروب الطائفية، لا نقابات، لا جامعات وطنية...

وعلينا انتظار ثورة الأرز، بتظاهراتها المليونية، لتفتح أبواب هذا البلد ونوافذه وطرقاته وشوارعه ومدنه، وناسه على بعضهم. من هنا، (واختصاراً)، تمَّ نقل المجتمعات اللبنانية من حالات العزلة والتناحر والعنف تحت حكم الوصايتين السورية والإيرانية الى الحالة الشعبية المتداخلة، والمتعددة، بعيداً عن الشعبوية والعنف: ثورة ديموقراطية حررت الشوارع من قمع النظام السوري، وحزب الله، وكانت بمثابة معجزة أعادت الأمل بديموقراطية، وبمؤسسات حيوية، وعمليات انتخاب حُرّة، وحكومات وبرلمان شرعية.

... والربيع العربي

ومن هذا الربيع اللبناني، انطلق الربيع الإيراني الذي قمعته الآلة السلطوية الجهنمية في نظام ولاية الفقيه، ثم ها هو الربيع العربي الذي أراد إنقاذ سوريا من النظام الاستبدادي «المغلق» على الطائفة - العائلة، وعلى رسم الحدود السورية بحدود السجون والمعتقلات، والقتل، والمجازر. أين سوريا المنفتحة قبل البعث؟ هذا ما أراده الثوار في مظاهراتهم الأولى: نريد الخروج من شرنقة النظام. جعلنا رهائن الاستفتاءات. أعطب عقولنا. أسدل ستوراً على اندماجنا وانفتاحنا... وحرّياتنا: كان الربيع العربي في سوريا رداً شاملاً على الحالة العزلويّة التي فرضها النظام عليه. والهاجس: استعادة المجتمعية التعددية والديموقراطية والسياسية المفتوحة.

بمعنى آخر، فإنّ الربيع العربي لم ينطلق لا من شعبويّة ولا من وسائل عنف، ولا تطرف، ولا فوبيات مذهبية.

ثورات الغرب

بينما، تبدو «الثورات» في بلاد الغرب اليوم على نقيض الثورات العربية في بداياتها: انقضاض على الأنظمة من دون بدائل، (الكل يريد تغيير النظام حتى لوبن وترامب)، كراهية الغير بذريعة المحافظة على الهوية (وهنا توتاليتارية محددة)، وفوبيا الإسلام، ولا إنسانية التعامل مع المهجرين والنازحين، والعزلوية العفنة، والكانتونية بمستويات متعددة: إثنية، دينية، طبقية، العداء للمؤسسات البرلمانية، والقضائية (فيون وترامب ولوبن شككوا بنزاهة القضاء)، والأدهى الاستعانة بالخارج في العمليات الانتخابية (لوبن وفيون وترامب استعانوا بروسيا والأسد)، أو تحريك المذهبية (فيون استثار الكاثوليكية كما استثار ترامب الانجيليين وحزب الشاي)...

كل هذا مسالك واضحة لبناء مجتمعات مغلقة، (شبيهة بمجتمعات الحروب)، بكانتونات عنصرية، وبدولة منفصلة عن علاقاتها الخارجية، وشعب منقسم انقساماً عمودياً! وقد نجح في هذه المهمة الانعطافية ترامب، وأوربان (المجر)، وتريزا ماي (بريطانيا)، وربما فرنسا في طريقها الى الجحيم السياسية.

ما نريد قوله سواء في ما قدمنا أو أكملنا، أنّ جوهر الصراعات السياسية في أوروبا وأميركا اليوم يكمن إما في نجاحها في إرساء مجتمعات مغلقة (على غرار ما أدركته معظم الأحزاب)، أو ترميم المجتمعات المفتوحة، الديمووقراطية.

أي إما فوز توتاليتاريات - شعبويّة بسحن «مدنية»، أو عودة العالم الى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية: التبادلية، والانفتاح، وشفافية الديموقراطية، ونبذ الدكتاتوريات.

وأخيراً عادت «الإلفة» بين الشعبويّة والتوتاليتارية، بين ما أدركته تجارب المجتمعات المفتوحة، وما بدت ملامحه من مجتمعات مغلقة، تسود بينها «حروب باردة» هنا... وحربيّة هنالك.
 

الكاتب: 
بول شاوول
2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب