Printer Friendly and PDF

Text Resize

صَحوة النُّخب الأوروبيّة!

12 March 2017

العريضة التي وقّعها مئات المثقفين من أوروبا وأميركا والعالم العربي، والتي تكشف بدقة، ومن دون تواطؤ، أو تغافل، جرائم بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين في سوريا، حدثٌ من الصعب تجاوزه في هذا العالم المنقلب على نفسه، وعلى قيمه، وعلى تاريخه، وعلى أخلاقه.

إنها لحظة «النُّخب المهمّشة»، المتمردة على مجتمعات «ما بعد الحقيقة»، والشعبوية، والعنصرية والإثنية. لحظة انضمام من لم تفسده هذه المتقلبات، من بحاثة، وعلماء انتروبولوجيا، وسوسيولوجيا، وسياسة، وكتّاب، وفنانين. هؤلاء «البطاركة السريون»، غير المتهافتين على وسائل الإعلام، ومن غير نجوم الفلسفة (فلاسفة الميديا)، والصحافة والأحزاب. «البطاركة السريون» الذين لم توفر لهم فرصة التعبير عن آرائهم. بسبب نوع من الحصار على الأصوات المختلفة، غير المنغمسة بلعبة السلطة، والمال، والشهرة، والانقياد الى الموجات، والظواهر، التي تشكل اليوم، الخطر الأكبر على الديموقراطيات أو ما تبقى منها، وغير المصابة بفيروسات الإنزواء السلبية، تاركة الميادين والساحات، لمن يمثّلون أسوأ تمثيل إرادات الناس.

كدنا نيأس من النخب العربية والعالمية، ومن فوقيتها، وانفصالها عن الاعتمالات، وتنزيه أنفسها عن خوض الصراعات التي تسم عالم اليوم، المهدد بالتفكك، وبالكانتونية، والعصبيات الانعزالية، وسطوة العولمة بمضامينها الرأسمالية، والليبرالية الوحشية.

كنا نكتفي ببعض الأسماء الكبيرة التي ظلت متمسكة بحقوق الإنسان، وحرية الشعوب في تقرير مصيرها، واستقلالية الفرد في التعبير عن خوالجه أو عن أفكاره، ورسالة الصحافي في شهر ضميره كفيصل، وقيمه كطريق، يسلكها، لنصرة المظلومين والمضطهدين، والأقليات، والمهجرين، والمعذبين في الأرض، والمعتقلين في السجون، يتخذون المواقف المناهضة للسفاحين، ولمجرمي الحرب، والمعتدين على شعوب الآخرين وحدودهم وممتلكاتهم. وتلك الأسماء التي ما زالت تطالعنا في الصحف، والمجلات، والشاشات الصغيرة، كانت معدودة في الغرب، وعديدة في بلاد العرب: كجاك أتالي، وإدغار موران، وجان دانييل وكريستيان ماكاريان وتشومسكي وتودوروف... هؤلاء كانوا وغيرهم يشكلون الجسور الحقيقية بين أهل السلطة والشعب. ولم يكونوا كافين، لمحدوديّة تأثيرهم، وعمق مقارباتهم، وجرأة مواجهاتهم، فالصحف مكتظّة بنجومها «الجدد» العنصريين، و«القوميين» ذوي الهويات المشروخة، والنرجسيات الجماعية والمنحازين الى الظواهر الفاشية والنازية والدكتاتورية في أوروبا وأميركا (وحتى عندنا)، والمنساقين وراء الأباطرة والسياسيين والقيادات العِرقية، وأصحاب المشاريع التقسيميّة، كبوتين، وترامب، وأوربان، ولوبان، وفيون، وميلانشون،... وصولاً الى خامنئي وبشار الأسد.

وتساءلنا ولكم تساءلنا في هذه الزاوية بالذات: أين ضمائر العالم؟ أين شعراؤه؟ أين صحافيّوه؟ أين سياسيّوه؟ أين «أنبياؤه» الذي يقودون الناس ويساعدونهم على تبيان طرق خلاصهم؟ تساءلنا منذ قيام الربيع العربي: أين هؤلاء؟ لكن لم يظهر أمامنا سوى الصغار والأقزام أو المأجورين، أو المضروبين بفيروسات الرجعيّة، والجهل، والتواطؤ، والسطحية. حتى قلنا أين جان بول سارتر ومواقفه المؤيّدة لاستقلال الجزائر، ومع حقوق المرأة، وحريّة الاختيار والصحافة والكتابة والثورة؟. والجواب كان في زيمور (يكتب في الفيغارو)، وكأنّه بديل سارتر! أين كامو؟ هذا المتمرد على الإيديولوجيات المغلقة في صنوفها الشتّى، فطلع أمامنا فانكلفروت (فيلسوف ميديا – صهيوني إنعزالي)، وأين ريمون أَرون هذا الليبرالي الكبير عندما كانت الليبرالية في الستينات موئل الحرية الفردية واحترام حقوق الإنسان، والتعددية ومواجهة التوتاليتاريّة، فطلع أمامنا هنري ليفي (صهيوني من قماشة فلاسفة الميديا)، وأين ديغول، بجرأته ووطنيّته، وشجاعته (حتى ضد إسرائيل)، كرجل دولة، ووطن، فإذا بنا، أمام فيون!... إنها البدائل المستعارة التافهة، كأنّها من نفايات «الثورة الفرنسية» والطليعية، والفلسفية، والسيوسيولوجية! ورث هؤلاء كباراً: وإذا عدنا الى الأمس، نقول ورثوا روسو، وفولتير وموليير، وهيغو، ولامرتين،... لكن تصرفوا في بلاد «المقاومة الفرنسية» ضد النازيّة، وكأنّهم من إرث النازيين، ومن إرث الجنرال بيتان، وستالين، وماو تسي تونغ، وبول بوت، والخميني، وبوتين، ونتنياهو. انقلبوا على كل ما صنع تاريخ أوروبا الحديثة، لينصّبوا أنفسهم «غربان الزمن الأسود». فلا فرنسا أخلصت لديغولها ولا إنكلترا لتشرشلها بل لتتشرها، ولا المجر أخلصت لثورتها، كأنّ كل ذلك التاريخ طُوي في صناديق القمامة، ليبدأ المثقفون من اللاتاريخ الى اللاتاريخ. العدم... إنها الخيانة بحذافيرها. إنّه الماضي الذي دُنِّس في أنواره، وقُدّس في نوافله. العودة الى ماذا؟ الى الهويات الميّتة؟ الى الأنصاب المحطّمة؟ الى الإمبراطوريات الفاشلة؟ الى الأديان والطوائف لاستنهاضها في وجه الإنسانية، والشعوب، والقيم، والعقل، والتوازن؟

] الطاغية

صحيح أنّ هذه العريضة انحصرت بالتوجه الى هذا الطاغية بشار الأسد، وبجرائمه وفظائعه، وانتهاكاته حقوق الإنسان، وارتكابه ما ارتكب والده، والطغاة العرب، لكن هذا الدكتاتور الصغير جزء من هذا العالم. جزء مما آلت إليه ثقافته، وموازينه وضمائره، ولهذا بالذات، تساءلنا مراراً، ماذا يقول مثقّفو العالم عمّا يجري في سوريا؟ أين هي عيونهم وآذانهم، وأدوارهم، ومواقعهم؟ لا شيء! الساحة متروكة للغوغائيين، والرعاع، والجهلَة، والتافهين، بينما المثقفون معتصمون «بحبال الصمت» التي كادت تشنق وجودهم. وبماذا نُملّح إذا فسُد الملح. والمثقفون هم ملح الأرض. وقد ندروا! فشعب بأكثريّته مهجّر داخلياً وفي المنافي أو في السجون أو في المقابر، ولا صوت نقياً، ولا نبرة جريئة، ولا صرخة وإن في وادٍ؟ هل أيقظت أيديهم مجزرة صيدنايا ؟ أو الأسلحة الكيماوية، أو الإعدامات الجماعية، أو قتل أكثر من 30 ألف طفل حتى الآن، و350 ألف سوري؟

] البوصلة

المهم، أنّ البوصلة هذه المرّة لم تخطئ شمالها في العريضة، والأصابع لم تخطئ جروحها، والضمائر لم تلتف حول مآزقها... فساعة الحقيقة تعلن دقاتها في فضاء الثقافة العالمية؟ في جامعاتها، في مختبراتها، في أرقامها، في محترفاتها، على صفحاتها. فلنبدأ من مئات المثقفين... لأن المهم أن يبدأ الخروج الى الحقائق الكبرى الموطوءة، والوقائع المطموسة، والإنسانية المنتهكة. رد هؤلاء الموقعون بعقولهم النيرة، وسرائرهم الناصعة على أمثال ترامب، ورعاعه، وفيّون وأكف المصفقين لشعوبيته، ووقاحته، والوقوف فوق القانون، لتغطية فساده وفساد زوجته. بل ويرد هؤلاء على ما نطق به هذا المتعجرف «علينا أن ننحاز الى بشار الأسد»، وهذا ما فعلته «إيسانس» الشعوبية والإنعزالية مارين لوبان، وما تفوّهه هذا اليساري ميلانشون الذي لم يبقَ من يساريّته سوى غبار بعض الشعارات المتهالكة من الأربعينات... ردوا على طبقات سياسية أفلست من كل فكر، أو انتماء عقلاني، أو وطني، أو مستقبلي، أو إنساني: مئات المثقفين الذين وقّعوا هذه العريضة بدوا كأنّهم صوت واحد، إزاء هذه التفككات الشاملة، والنرجسيات العنصرية، والمذهبية، وإزاء تبعثر الضمائر أمام مجازر آل الأسد، وتواطؤ بوتين، ودموية خامنئي، وجنون صنيعهما «داعش». قالوها في العريضة: داعش من «صُنع إيران (وإن بطريقة غير مباشرة)، ومن مخازن وسجون بشار الأسد، ومن نِعَم روسيا، وجبن أوباما، وجهل ترامب». إن هذه الحقيقة الساطعة التي شهرتها العريضة من النقاط الأهم التي التبست عند كثيرين وخصوصاً في أوروبا وأميركا: «بشار الأسد خير متراس ضد داعش»؟ شيء رهيب؟ لترد العريضة: بشار خير حليف لداعش! وإرهاب بوتين في القرم، وجورجيا، وقبلهما الشيشان، لا يختلف لا عن إرهاب خامنئي في الأحواز المدينة العربية التي يحتلها ويقمع أهلها، ولا في العراق من خلال «حشده» الإجرامي، ولا في لبنان من خلال حزبه العميل... لقد وضع المثقفون الاصبع على الجرح، من دون مهادنة، ولا تزويق، ولا مواربة: بشار وبوتين وخامنئي عملة واحدة: ضد شعوبهم، وثورات الشعوب التواقة الى الحرية. وكلهم مذهبي، عوّض عن فشله السياسي أو الفكري باستنهاض «ديني»، أو عرقي: بوتين سيد الأرثوذكسية الطالعة في روسيا، وخامنئي نابش قبور الماضي بجثثه ودمائه ليعلن حرباً مذهبية ضد العرب (باعتباره فارسياً)، وضد السنة باعتباره شيعياً)، أما «بشّارنا» فلم يعد في جعبته الفارغة أصلاً سوى شهر مذهبيّته العلويّة، لتحويل الثورة الشعبية الى حرب أهليّة.... ومن ثمَّ ليؤّسس داعش، ليصبّ عدوانه المبرمج على العرب والدول الخليجية (السعودية – الإمارات)، والدول الأوروبية التي تطالب حكوماتها برحيل الأسد (هولاند – ميركل)، مع الحفاظ على تحييد إسرائيل وإيران!

التقطت العريضة هذه النقاط الملتبسة، ورفعتها الى العالم. إن زمن الطغاة الجديد الإرهابي بعنصريّته، وعدوانيّته، ولا إنسانيته، يريد أن يشكل كل شيء على صورته: من الصحافة المنتهكة أو المعدومة في بلاد الروس وإيران وسوريا، الى التلفزيونات المصادَرة، والسياسة الملغاة، والبرلمانات المعطّلة، والحكومات المسيّرة... لا مكان للشعب إذاً: بل للشعبويّين. ولا للتنويريّين بل للعميان. ولا للحالمين بل للمرتزقة.

هنا بالذات نعاود التساؤل: إذا اجتمع جزء حيّ من المثقّفين في عريضة الألف توقيع (مع بعض العرب)، لكن أين مثقّفونا؟ أين نخبنا؟ أين شعراؤنا؟ منهم من خاض ويخوض بشجاعة وإصرار معركة إسقاط الأسد وحلفائه، من المنافي، ومنهم مَن يواجه «حزب الله» في لبنان، واليمن وسوريا والعراق، ومنهم مَن حيّد نفسه، والتزم الصمت، ومنهم مَن هُدّد، بأهله وبأبنائه... فاختار «السلامة».

لكن، على الرغم من ذلك، قلّما شهدنا تظاهرة ثقافية في بلاد العرب أو العالم، تكشف وتدين جرائم إيران والأسد. قلّما قاربتنا عريضة من عشرات الموقّعين تطالب المؤسسات الدولية بالعدالة والقانون ومحاكمة منتهكي حقوق الإنسان... في سوريا!...

برغم كل ذلك، فلا نزال ننتظر أن يصحو المثقفون العرب، سواء من مذهبيّة بعضهم، أو ارتهان بعضهم الآخر، أو خيانة آخرين... ونظن أن ساعة الحقيقة لا بدّ أن تدوّي في ضمائرهم!

لكن هل نجرؤ ونتساءل: متى العرائض المليونيّة العربية لمحاكمة مجرمي الحروب وعلى رأسهم بشار الأسد؟

الكاتب: 
بول شاوول
2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب