Printer Friendly and PDF

Text Resize

مؤتمر تيار المستقبل: ليبرالية اقتصادية وسياسية وتمكين الشباب والمرأة

27/11/2016

 

ينعقد المؤتمر الثاني لتيار المستقبل وانتخاب مكتبه السياسي وسط زخم تشكيل الحكومة وتداعيات انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية اللبنانية، وكذلك في خضم التقلبات الإقليمية والمواقف الدولية، الأمر الذي يضاعف من الأضواء المسلطة على المؤتمر وما سيخرج به من استحقاقات وبيانات ومشاريع يتطلع أنصار التيار إلى أن تسطّر بخط عريض عودته القوية للحياة السياسية اللبنانية.

بيروت – يردّ الزخم الكبير الذي رافق إطلاق مؤتمر المستقبل على كل التحليلات والقراءات التي تقول بنهاية هذا التيار وخروجه من الحياة السياسية. يرفع هذا المؤتمر عناوين التجديد والمحاسبة وتفعيل دور الشباب والمرأة وإعادة إنتاج الرؤية الاقتصادية والسياسية لتيار المستقبل في ظلّ كل التغيرات التي يشهدها لبنان والمنطقة.

يطرح المؤتمر كذلك موضوع كيفية تفعيل هوية التيار الليبرالية العابرة للطوائف في ظل أزمات الهويات التي تعصف بالعالم، وكيفية التوفيق بين واقع سنية جمهور التيار، وبين المنطق الليبرالي الذي ينادي به، والذي يجد جزء من جمهوره أنه يتناقض مع مصلحة الطائفة السنية.

يحرص مؤتمر تيار المستقبل على تقديم نفسه بوصفه قادرا على الاستجابة لكل التحديات المطروحة على التيار كجهة سياسية تحمل مشروع العبور إلى الدولة وتفعيل المؤسسات ودعم الاقتصاد وعزل لبنان عن الصراعات الخارجية.

لكن، تصطدم هذه العناوين مع المشهد العام السائد في لبنان وفي المنطقة عموما، فهل سينجح تيار المستقبل في أن يخرج من مؤتمره بتصور عملي قابل للتطبيق حول القضايا الكبرى التي ستطرح للنقاش في المؤتمر؟ وهل سيتمكن من إعادة إنتاج هيكلية تنظيمية داخلية تعيد إليه الزخم الذي كان مفقودا في الفترة السابقة، وتعيد تظهيره كواحد من أكثر التيارات السياسية اللبنانية حيوية وانفتاحا وقدرة على ربط لبنان بشبكة أمان عربية ودولية بدت غائبة في الفترة الأخيرة؟

 

الإطار التنظيمي

 

يشرح رئيس اللجنة التنظيمية لمؤتمر تيار المستقبل النائب محمد الحجار التفاصيل التنظيمية للمؤتمر قائلا “انطلقت أعمال المؤتمر يوم السبت 26 نوفمبر وتتواصل اليوم 27 نوفمبر الجاري. وركزت كلمة الرئيس الحريري في الجلسة الافتتاحية على العناوين العريضة والكبرى التي يعمل عليها التيار في هذه الفترة”.

يضيف الحجار “انطلقت بعد ذلك أعمال المؤتمر التي تضمنت في اليوم الأول نقاش مجموعة من الأوراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى ورقة تنظيمية تضمنت استعراض التجربة السابقة وأخطائها، وورقة تضمنت تعديلات على النظام الداخلي لتيار المستقبل. بعد إقرار الأوراق ستجرى انتخابات أعضاء المكتب السياسي”.

ويبلغ عدد المشاركين في المؤتمر حولي 2700 شخص ينقسمون إلى فئة ناخبة يحقّ لها المشاركة والتصويت وتتألف من حوالي 2400 شخص، وفئة تشارك في المؤتمر بصفة مراقبين وتضم حوالي 300 شخص، وهؤلاء لا يحق لهم التصويت، ولكن تحق لهم المشاركة في النقاشات العامة.

يضاف إلى هذا العدد حوالي 1000 شخصية دعيت لحضور المؤتمر في جلسته الافتتاحية.

يؤكد الحجار أن تيار المستقبل يضع أمام عينيه إلى جانب هدف انتخاب قيادة جديدة للتيار هدف “تقييم المرحلة السابقة بين عامي 2010 و2016 وقراءتها بشكل نقدي يحدد أين أصاب التيار وأين أخطأ، وهل هناك توجّهات جديدة يجب العمل عليها، وهل يجب تعديل الرؤية الاقتصادية للتيار وتعديل النظام الداخلي؟”.

ويضيف “لقد تم إعداد أوراق ترتبط بهذه التساؤلات وستناقش جميعها في المؤتمر قبل أن يصار إلى إنتاج أوراق جديدة ستوضع في عهدة المكتب السياسي الجديد الذي سيتم تعيين 10 أعضاء منه إضافة إلى رئيس التيار وممثل كتلة المستقبل في المكتب السياسي وانتخاب 18 عضوا جديدا”.

المؤتمر يطرح موضوع كيفية تفعيل هوية التيار الليبرالية العابرة للطوائف في ظل أزمات الهويات التي تعصف بالعالم، وكيفية التوفيق بين واقع سنية جمهور التيار، وبين المنطق الليبرالي الذي ينادي به

 

الليبرالية والسنية

 

تسود في أوساط تيار المستقبل نقاشات كثيرة تتعلق بهويته السياسية وإمكانية محافظته على هوية سياسية ليبرالية في ظل صعود الهويات الطائفية وانتماء جلّ الجسم الجماهيري الذي يشكل عصب تيار المستقبل إلى صفوف الطائفة السنية.

يفرض هذا الواقع على التيار تقديم مقاربة سياسية تراعي خصوصية هذه الجماهير وسنيّتها، ولا تخرج في الآن نفسه على الإطار العابر للطوائف الذي يشكل خصوصية التيار التاريخية والعنوان الأساسي لتمايزه عن التيارات والأحزاب في لبنان والمنطقة.

يشرح المدير التنظيمي لمؤتمر تيار المستقبل رؤية التيار الخاصة بهذا الموضوع مؤكدا على وجود ” ثوابت لا يمكن أن يخرج عليها تيار المستقبل لناحية كونه تيارا عابرا للطوائف. لا شك أنه تيار ينمو في وسط سني بشكل عام، ولكنه لا يقدم نفسه بوصفه تيار السنة أو التيار السني، انطلاقا من قناعة مفادها أن تيار المستقبل لو شاء أن يكون مجرد تيار طائفي فإنه سيفقد خصوصيته، ولن يكون مختلفا في شيء عن الكثير من التيارات الطائفية القائمة”.

ترسيخا لهذه القناعة، يقول الحجار “إن التعريف الذي يصر عليه التيار والذي يقدم نفسه من خلاله، والذي سيبلور المؤتمر تصورا واضحا في شأنه يقول إن تيار المستقبل هو تيار وطني لا طائفي، يعتز بلبنانيته ويفتخر بانتمائه العربي، وهو تيار يريد تحقيق مشروع الدولة الديمقراطية المدنية السيدة المستقلة التي تمارس فيها المؤسسات الدور الأبرز”.

لا ينكر الحجار وجود محاولات لجرّ تيار المستقبل إلى تبني خيار الهوية الطائفية تأسيسا على واقع المنطقة الملتهب والميال إلى تعزيز الخصوصيات الطائفية على حساب الدول والأوطان.

ويقول في هذا الصدد “هناك من أراد جرّ تيار المستقبل إلى التقوقع في إطار مذهبي ضيق. كل المنطقة تغلي ولا أحد يستطيع إنكار هذا الواقع، ولا مناص من الاعتراف به، ولكننا في تيار المستقبل ملتزمون بما أرساه الرئيس الشهيد رفيق الحريري. تاليا لن يكون هناك أيّ انسحاب من المجال الواسع والمفتوح والوطني الذي نجد أنفسنا فيه إلى أيّ مربع طائفي”.

ويذكر النائب اللبناني بأن “المسلمين السنة الذين يشكّلون بنية تيار المستقبل الجماهيرية لم يكونوا يوما متقوقعين، بل كانوا دوما منفتحين ومرتبطين بعلاقات طيبة مع الأمة العربية والإسلامية، فكيف يراد لتيار ينمو في هذا الوسط أن يتحول إلى مجرد كيان طائفي دون أن يخاطر بفقدان دوره وخصوصيته ومعنى وجوده”.

وجّهت انتقادات كثيرة إلى تيار المستقبل تتعلق بغياب الرؤية الاقتصادية لديه وبأنه يتحدث دائما عن ضرورة تفعيل الاقتصاد وحمايته وعن الإنماء وتحقيق الازدهار، من دون أن يقدّم مشروعا واضحا يحدد كيفية تحقيق هذه الطموحات.

ويكشف مؤتمر تيار المستقبل عن رؤية اقتصادية واضحة المعالم، تقوم على أساس الدفاع عن “التوجه الاقتصادي الليبرالي والنظام الليبرالي، أي الاقتصاد الحر الذي تكون فيه الدولة، عبر رعايتها وشراكتها مع القطاع الخاص، راعية لكل اللبنانيين بما يتناسب مع حاجاتهم”. ويوضح الحجار أن “هذا المشروع هو امتداد لفكر الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونحن نرى أنه لا يوجد فكر آخر قادر على نقل لبنان من اقتصاد الحرب الأهلية إلى اقتصاد نجح في أن يحقق قفزة اقتصادية هائلة على مستوى النمو وتطوير البنية التحتية ورفع نسبة الدخل القومي في البلد وتطوير القطاعات الصناعية والسياسية والزراعية وغيرها. رؤيتنا تهدف إلى تفعيل هذا النظام الاقتصادي انطلاقا من النجاحات التي حققها بغية استعادة الدور الاقتصادي الريادي للبنان”.

 

عودة 14 آذار

 

يشكل عنوان التحالف بين القوى السيادية في لبنان صلب مشروع العبور إلى الدولة وروح فريق 14 آذار.

ويعتبر الكثير من المستقبليّين أن انتخاب الجنرال ميشال عون رئيسا فتح المجال أمام محو الذاكرة الخلافية بينه وبين جمهور التيار وسمح بإعادة بلورة العناوين السيادية للسياسة في لبنان، والتي تقوم على أهمية قيام التحالفات بين القوى السيادية ضد محاولات تفكيك الدولة وربط مصير اللبنانيين بمشاريع خارجية.

ضرورة تفعيل الاقتصاد وحمايته

 

يحمل مرشح منسّقية التثقيف السياسي لعضوية المكتب السياسي أكرم سكرية هذه الأفكار كعناوين عريضة لمشروعه الانتخابي.

ويعرض سكرية رؤيته قائلا “يحتفظ جمهور تيار المستقبل بذاكرة سيئة عن الجنرال عون، ولكن ما يحدث الآن يمثل عملية انتقال من تاريخ العلاقة السلبية مع الجنرال إلى الصورة الجديدة التي تبلورت في خطاب القسم بعناوينه العريضة”.

تطرح هذه العناوين، وفق سكرية، “أفكارا كبرى تتناقض مع منطق حزب الله. الجنرال كان قد أكد أن المقاومة تكون من أجل تحرير الأرض، وليس لتحرير القدس كما أن مهمة الدفاع عن لبنان هي وظيفة الجيش والقوى الأمنية. يمكّننا هذا التوجه الذي عبّر عنه الجنرال من العمل مع بيئة تيار المستقبل والبيئات المؤمنة بمشروع الدولة على أساس تحالف يضمن مصلحة الشعب اللبناني”.

ويضيف ” أنا كمرشح لعضوية المكتب السياسة أطرح مشروعا يقوم على ضرورة إنشاء تحالف موضوعي بين القوى السياسية الداعمة لخيار الدولة، حيث يمكن من خلال هذا التحالف مواجهة حزب الله داخل بيئته، وتظهير الرأي الموالي لمشروع الدولة داخل بيئة الحزب.

من هنا فإن مؤتمر تيار المستقبل كما أنظر إليه يمثل مدخلا مناسبا لإعادة إحياء روح تجمع 14 آذار، وإدماج كل القوى السيادية فيه، وأأمل أن يسفر مشهد 14 آذار في العام القادم عن مشهد عودة التيار الوطني الحر إلى موقعه السيادي الطبيعي”.

 

صوت المرأة

 

تحضر المرأة بزخم كبير في كلّ حراك يقوم به تيار المستقبل على كل الأصعدة، ولكنها لا تزال على الرغم من ذلك مقصية عن المشاركة الفعلية في صناعة القرار داخل التيار. ويشكل إيصال صوت المرأة إلى صانعي القرار صلب مشروع مرشحة قطاع المرأة لعضوية المكتب السياسي نوال مدللي حيث تؤكد أن التيار يعاني من “غياب خطة لتمكين المرأة، وهذا الأمر أعاق مشاركة المرأة في الحياة السياسية، فإذا لم تكن المرأة متمكنة، فإن كل الجهود لتفعيل دورها محكوم عليها بالفشل، من هنا يجب تمكين المرأة على جميع المستويات، وخصوصا على المستوى الاقتصادي كي تتمكن من المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية”.

تعرض مدللي لطبيعة مشاركة المرأة في الحراك السياسي في تيار المستقبل معتبرة أنها تشكل “عصب الحراك السياسي للتيار، وقد أثبتت المرأة فعالية استثنائية في كل الاستحقاقات المهمة التي خاضها التيار سواء في الانتخابات النيابية الأخيرة أو غيرها، ولكنها مع ذلك لا تزال بعيدة عن مراكز القرار”.

تعرض مدللي للمطالب التي تسعى من خلال ترشيحها إلى إنجازها وأهمها “إقرار كوتا نسائية طوعية داخل التيار بشكل مرحلي، قبل أن يصار إلى طرح مسألة المناصفة التامة في المناصب وإيجاد صوت للمرأة داخل المكتب السياسي يقوم بعملية التشبيك مع كتلة المستقبل النيابية، التي تعتبر الكتلة البرلمانية الأكبر، من أجل إقرار قوانين تلغي التمايز الموجود في حق المرأة في القوانين اللبنانية، إضافة إلى تعديل قوانين الأحوال الشخصية”.

مؤتمر تيار المستقبل يحمل عناوين عريضة وطموحات استثنائية، فهل سينجح في تحويل ما سينبثق عنه من أطروحات إلى واقع سياسي واجتماعي واقتصادي، أو سيبقى عالقا في دائرة الاستعصاء السياسي التي يعاني منها البلد منذ فترة؟

تعترف مدللي أن مشروع تعديل قوانين الأحوال الشخصية يلقى معارضة داخل البيئة السنية، ولكنها ترى أن الأمر يشكل تحدّيا أمام مؤتمر تيار المستقبل الذي يجب عليه “التشديد أنه على أيّ شخص ينتمي إلى تيار المستقبل الالتزام بخطاب التيار العام والدفاع عن القوانين التي يدعمها التيار في حال أقرت في المجلس النيابي”.

 

دور الشباب

 

استبق رئيس تيار المستقبل انطلاق المؤتمر العام بالدعوة إلى ترسيخ دور الشباب في التيار وزيادة حضورهم وتمثيلهم في التيار.

ويعبر مرشح قطاع الشباب ومسؤول هذا القطاع الحالي وسام شبلي عن ميله إلى ملاقاة التوجهات العامة التي نادى بها الرئيس الحريري من خلال مراكمة “مناخ ديمقراطي ينبثق عن هذا المؤتمر الذي يعدّ المؤتمر الحزبي الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، انطلاقا من البناء على توجهات الرئيس سعد الحريري، والسعي إلى خلق مشروع تحوّل من خلال ما أفرزه إطلاق المؤتمر من زخم أدى إلى خلق مساحة حرة وواسعة للنقاش بين المرشحين من كافة القطاعات، وانطلاق ورش عمل عرضت فيها الكثير من الأفكار الجادة”.

يضيف شبلي “مشروعي هو تفعيل وتحريك وتحسين شروط مشاركة الشباب في الحياة السياسية من خلال العمل على إقرار كوتا شبابية في المجلس النيابي، وخفض سن الاقتراع والترشح لعضوية البرلمان. يجب العمل على تذليل هذه العقبات من أجل تأمين فعالية أكبر لعمل الشباب. وتشكّل هذه الملفات خطة العمل التي سنعمل عليها داخل المكتب السياسي في حال وصولنا، والتي سنحاول من خلالها تصميم رؤية منهجية تحرك كل تيار المستقبل على المستوى العام وداخل كل المنسقيات”.

يحدد شبلي وجهة نظره الخاصة بدور المكتب السياسي المنتظر الذي يجب أن يحمل “ملفات مرتبطة بمصالح الناس وأن يضع الخطط والاستراتيجيات انطلاقا من هذا الهدف، لأنّ تعريف الأحزاب يرتبط بتمثيل مصالح الناس وكافة الفئات الاجتماعية. يجب أن تنعكس هذه العناوين في عمل المكتب السياسي الجديد وأن تتحوّل إلى سياسات يدافع عنها ممثلو التيار في المكتب السياسي وفي المجلس النيابي من أجل تحقيق أهداف تفعيل دور الشباب، والتعبير عن مصالح الناس”.

لا شك أن مؤتمر تيار المستقبل يحمل عناوين عريضة وطموحات استثنائية، فهل سينجح في تحويل ما سينبثق عنه من أطروحات إلى واقع سياسي واجتماعي واقتصادي، أو سيبقى عالقا في دائرة الاستعصاء السياسي التي يعاني منها البلد منذ فترة؟

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب