Printer Friendly and PDF

Text Resize

مارسيل خليفة وأوركسترا "الأعواد الصغيرة": الوجه الآخر لطرابلس

كتبت ساندي الحايك في "المستقبل":

كان لأوركسترا «الفيحاء للأعواد الصغيرة» المؤلفة من 15 شاباً تراوح أعمارهم بين الـ7 والـ18عاماً، أن تشارك عزفاً وغناء، الفنان مارسيل خليفة، في الحفل الموسيقي في قاعة «مركز الصفدي الثقافي» أمس الأول، والذي غص بالمئات من محبي خليفة.

فقد تفاعل الجمهور الطرابلسي المتعطش للفن مع خليفة. صدحت حناجر الموجودين لساعتين متواصلتين، ردد خلالها الجمهور كلمات أغاني «ريتا»، «يا بحرية»،»يطير الحمام»، وغيرها من الأغاني التي حفظها هؤلاء عن ظهر قلب. فيما اكتفى خليفة بالعزف والتصفيق لهم، مردداً «فينا نسجل أسطوانة هلق أنا وياكم».

الاوركسترا ايضا، كرمها خليفة بالقول «الزمن لا يقدر على مصادرة حق الحب. عشقت طرابلس وغنيت فيها ولها، واليوم أشارككم فرحتكم بعزف الأطفال الفتيّ، الذي قد تعصى كل مشاعر الكون مجتمعة على وصفه».

الإندهاش بقدرات فرقة الأعواد الصغيرة بدا واضحاً على وجوه عدد من الطرابلسيين أيضاً. فالفرقة لا تزال في سنواتها العمرية الأولى، لم يمض على تأسيسها سوى ثلاث سنوات، وتحديداً في العام 2012، حينها كانت المعارك العبثية بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة تمعن في إستباحة طرابلس وعزلها عن محيطها. حُرمت المدينة وسكانها من أدنى مقومات العيش، في ظل إنعدام الأمن والأمان. وبعدما ضاق الطرابلسيون ذرعاً بالمعارك الدائرة في «الخاصرة الرخوة»، سعت جمعية «شباب البلد» و«برلمان الشباب» إلى تأسيس عمل ثقافي مدني يساهم في تغيير الصورة النمطية المأخوذة عن المدينة. فكان أن أُنشئت فرقة «الأعواد الصغيرة»، على حد تعبير رئيسة جمعية «برلمان الشباب» الناشطة هند الصوفي. وبدل أن يحمل الأطفال أسلحة حملوا أعواداً، وبدل سماع «سيمفونية القتل المعتادة»، أصبح بإمكان الطرابلسيين الإستماع إلى معزوفة شرقية قديمة. كما حوّلت الفرقة بعوّاديها الحالمين المدينة التي لطالما وُصفت بـ«قندهار» إلى «قنديلاً لليل وضوءاً للنهار».

تضم «الأعواد الصغيرة» أطفالاً من مختلف مناطق الشمال، يجتمعون يومي الخميس والسبت من كل أسبوع، في قاعة بلدية طرابلس لتلقي التدريبات اللازمة على يد المدرب وأحد المدربين الأساسيين في «المعهد العالي للموسيقى «(لكونسرفتوار) خالد نجار الذي وبينما هو منهمك في «دوزنة» الأعواد لطلابه «الأشقياء»، كما يحلو له أن يصفهم، يؤكد أن «تعلم العزف على العود ليس بالأمر السهل، وعليه فإن النتيجة التي وصل إليها الأطفال جيدة جداً.

يقول:« في البداية تعبنا كثيراً في إعدادهم لا سيما أن معظمهم لا يزال في سنوات مراهقته الأولى، إلا أن الجدية في العمل والمثابرة شجعت الأطفال وحفزتهم على تقديم أفضل ما لديهم،ومع كل إستحقاق يعزف فيه الأطفال إلى جانب كبار المبدعين الموسيقيين، أعلم أن المسؤولية الملقاة على عاتقي تكبر شيئاً فشيئاً، فقد سبق للأوركسترا أن شاركت في إحياء أمسية موسيقية في «دار الأوبرا المصرية» في القاهرة، ضمن فعاليات المؤتمر السنوي للمجمع العربي، واليوم تعزف برفقة خليفة. لكن في الوقت عينه أزداد تفاؤلاً بقدرات الصغار وأهمية المشروع، الذي آمل أن يتطور، فنؤسس عبره لمسابقات فنية لبنانية وعربية».

تشير الصوفي، الفخورة بنجاح الأمسية، إلى «إستعداد الأوركسترا لإفتتاح صف جديد لتعليم العود لرفع عدد الأطفال المنتسبين»، كما أنها لا تنفي «وجود ثغرات تعيق العمل أحياناً»، وتقول «أبرز المعوقات يتعلق بالشق المادي،إذ إن عدم وجود جهة مانحة تتبنى الأوركسترا وتدعمها بشكل متواصل، يدفع بالقيمين عليها إلى قبول مساعدات من بعض الجهات السياسية، مع سعينا الدائم للبقاء على مسافة واحدة من الجميع».

وتلفت إلى أن «الأوركسترا تضم أطفالاً وشباناً من مختلف مكونات المجتمع الطرابلسي، ونحن نسعى بالدرجة الأولى إلى تعليم الأطفال أهمية تقبل الرأي الآخر، وتعزيز حس المواطنة والمساءلة عندهم، فضلاً عن صقل معارفهم وتوجيههم الى كيفية قضاء أوقات فراغهم بالطرق المفيدة».

من جهتهم ،يقف ذوو الأطفال وسط القاعة وقلوبهم إمتلأت غبطةً وفخراً. تذرف والدة الشاب باخوس هيكل دمعة عند رؤية إبنها معتلياً خشبة المسرح، وينشد منفرداً أغنية «أحن إلى خبز أمي» بصوت جبلي كلله الحنان، تعلو صرخة بين الحاضرين «صوتك بدو زقفة»،ثم يملأ صدى التصفيق القاعة بكاملها.

يوضح والده أن «باخوس لا يهوى الغناء. يخجل عندما يطلب منه أحد أن يغني، إلا أن تجربته مع فرقة «الأعواد الصغيرة» ساهمت في تكوين نضجه الموسيقي، وتعريفه على هوية صوته الغنائية».

أما والدة الطفل جاد عبد القادر فتؤكد أن ابنها «بات أكثر إنضباطاً ووعياً،كما تقدم مستواه التعليمي في المدرسة، وبات يمشي معتدا بنفسه أنه «عواد صغيراً».

التوتر الذي خيّم على الأطفال قبيل بدء الحفل، تلاشى عند إعتلائهم خشبة المسرح بربطات عنقهم الحمراء الأنيقة. إلتقطوا صوراً تذكارية مع الرفاق والحضور، ونبهوا بعضهم بعضاً إلى هفوات إرتكبوها عن غير قصد. همس إبراهيم رجب «كنا ممتازين، إذ يجب أن لا ننسى أننا عزفنا إلى جانب أحد عمالقة الموسيقى».

تحولت الأمسية الغنائية إلى حلم جميل،إلتحم خلاله جيلان متباعدان معاً بالنوتة والوتر، ونقلا الحضور إلى فضاء أخاذ نقي.

واخُتتم الحفل بتقديم درع تقديرية لخليفة من الجمعية والأوركسترا بمشاركة وزيري الشؤون الإجتماعية رشيد درباس والثقافة روني عريجي ، ورئيس بلدية طرابلس نادر غزال.
 

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب