Printer Friendly and PDF

Text Resize

هل من نهاية للمسرحية الهزلية؟!

كتب محمد مشموشي في صحيفة "المستقبل"

احدى مآسي لبنان، وما أكثرها في هذه الفترة، أن تسمع الناس من يعرقلون انتخاب رئيس للبلاد وهم يرفعون أصواتهم بالشكوى من الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية، ومن يجلسون في مقاعد الحكومة وهم يمنعونها من أداء مهامها بدعوى الحفاظ على الميثاقية في غياب رئيس الدولة، ومن يطالبون بالأمن وبمحاربة الارهاب ثم يعترضون على التمديد لقادة بعض الأجهزة الأمنية، وأخيراً من يفعلون ذلك كله ويرفضون في الوقت نفسه وضع آلية لعمل مجلس الوزراء الى حين انتخاب رئيس للجمهورية.

والجانب الآخر من المأساة أن تنصت الناس الى هذا الكلام ثم لا تفعل شيئاً، ولا حتى تقول كلمة، وكأن شيئاً لم يحدث على الاطلاق، بينما تشهد البلاد أكبر أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والمالية والأمنية وأقساها وأطولها، فضلاً عن السياسية التي جرى تزيينها بأنها مجرد «شغور» في موقع الرئاسة، وليست فراغاً كما هي الحال فعلاً».

اذ لا حاجة الى القول ان الرياح التي تعصف بالمنطقة، وخصوصاً منها الجوار السوري، تتطلب لبنان قوياً أقله في بنيته الداخلية وفي مقدمتها طبعاً موقع رئاسة الجمهورية، ان لم يكن لمنع ارتدادات هذه الرياح عليه وفيه، فبغية المحافظة على الحد الأدنى من الحياة الطبيعية فيه أملاً في أن يشكل ذلك نوعاً من الممانعة المطلوبة للجسم حين تنتشر في المحيط أوبئة تحمل بذور العدوى. ولأن رئاسة الجمهورية في النظام اللبناني ليست منصب شرف، بل هي مسألة ميثاقية بامتياز، فمن شأن مرور نحو ثلاثمائة يوم على خلو الموقع من دون سبب مقنع أن يضع اللبنانيين كلهم، وليس قواهم السياسية والاجتماعية والطائفية والحزبية فقط، أمام مسؤولياتهم الوطنية والمصيرية.

فأية مسؤوليات هي هذه، اذا كانت العدوى قد وصلت فعلاً، وكان الارهاب قد بدأ يضرب كل منطقة وكل مدينة وبلدة وحتى كل بيت في لبنان؟!. بل وأكثر، فكيف اذا كان أحد قادة الأحزاب فيه يطالبه بوضع «استراتيجية وطنية لمحاربة الارهاب» (رحم الله «الاستراتيجية الوطنية للدفاع»؟!) وبأن تكون، كما قال، بالتنسيق مع النظام السوري (اقرأ الايراني، بعد أن تحولت سوريا الى منطقة احتلال ايراني) ومعه الميليشيات العراقية واللبنانية والأفغانية التي تقاتل الى جانبه؟.

هذا أولاً، أما بعد ذلك فعندما تكون ذريعة البعض في رفض ما يسمى «آلية مؤقتة لعمل مجلس الوزراء» أنهم لا يريدون اظهار البلد في وضع المعتاد على خلو الرئاسة، أو في سابقة أنه يمكن أن يستمر من دون الموقع، فالأحرى بهم أن يسارعوا الى تنفيذ النص الدستوري لهذه الجهة، لا أن يتغطوا، كما هي حالهم على امتداد جلسات الانتخاب الـ 19 التي قاطعوها حتى الآن، بأن من حق النائب أن يحضر أو لا يحضر جلسات مجلس النواب بما فيها المخصصة لانتخاب الرئيس.

ذلك أن هؤلاء أنفسهم هم من عرقلوا انتخاب رئيس للبلاد، ومن منعوا مجلس الوزراء من العمل بصفته قائماً مقام رئيس الدولة، ومن حالوا بالتالي دون تعيين رؤساء للأجهزة الأمنية قبل موعد احالة الحاليين منهم الى التقاعد، فضلاً عن أنهم هم الذين ربطوا البلد بـ «لعبة أمم» اقليمية ودولية لا تعنيه مباشرة، كما أدخلوه في أزمة سياسية اقتصادية - اجتماعية لا يعرف أحد كيف ومتى يمكنه أن يخرج منها.

بل وأكثر، فهم بأفعالهم هذه لم يهددوا فقط بالغاء دور المسيحيين التاريخي في لبنان وفي المنطقة، انما أيضاً وبشكل خاص وجودهم المادي فيهما في ظل موجة الهجرات الجماعية التي يشهدانها في الفترة الحالية. واذا كان صحيحاً أن للارهاب، بأيدي الأنظمة أو بأيدي «داعش» وغيره، دوراً في هذه الهجرات، فالصحيح كذلك أن البطالة من جهة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان والمنطقة من جهة أخرى كان لها الدور الذي لا يجوز تجاهله أو انكاره.

وليس خافياً، بحسب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، أن أعداد المهاجرين المسيحيين من المنطقة خلال العامين الأخيرين تفوق أية أرقام جرى تسجيلها على امتداد العقود الماضية.

عوداً على بدء: لم يبق من مسرحية «الشغور» المقيم في موقع الرئاسة، وتحديداً من محاولات ملئه (عملياً، ابقائه على حاله) سوى الفصل الأخير الذي لا بد منه في النهاية كما هي الحال في أية مسرحية: تصفيق الجمهور أو خروجه عن طوره رفضاً للسيناريو والمخرج والممثلين معاً وحتى غضباً من خشبة المسرح نفسها.

فلا أحد، بمن في ذلك المانعون (أو «الممانعون») أنفسهم، الا ويتحدث عن ضرورة انتخاب رئيس للبلاد... وأمس قبل اليوم، أو اليوم قبل الغد، كما يقولون.

أما اللبنانيون فقد ملوا (أو ينبغي أن يكونوا؟!) انتظار نهاية منطقية للمسرحية الهزلية التراجيدية المضحكة -المبكية في آن.

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب