Print Friendly, PDF & Email

Text Resize

-A A +A

سر الاقتصاد المزدوج المسار في الولايات المتحدة

12 October 2018

أي من هذين السيناريوهين يصف الاقتصاد الأميركي؟
أولا، الاقتصاد أفضل حالاً من أي وقت مضى: سوق الأوراق المالية تقترب من الارتفاع القياسي، والأجور في تصاعد، وهناك المزيد من الوظائف أكثر من المتقدمين لها، وثروة الأسر بلغت معدلات قياسية، والناتج المحلي الإجمالي ينمو بوتيرة رائعة، وقيمة المنازل قد تعافت من الركود العقاري، وثقة المستهلكين في أفضل حالاتها – والولايات المتحدة الآن في أفضل حالاتها كذلك!
ثانيا، الشعب الأميركي يعاني بشدة: الأجور المعادلة للتضخم في حالة ركود أو هي في تناقص مستمر، والحركة الاقتصادية غائبة تماماً، أسعار الوقود في ارتفاع مطرد بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ومعدلات مشاركة القوى العاملة بلغت مستويات لم تشهد مثلها منذ أواخر السبعينات، وتكاليف الرعاية الصحية أصبحت باهظة بشكل مريع، والإيجارات في تصاعد مستمر، وهناك أزمة تقاعد مقبلة تلوح في الأفق، إذ إن الأسر تملك القليل للغاية من المدخرات المالية، ومعاشات التقاعد تعاني من نقص التمويل، والمواطن الأميركي المتوسط يعاني من السحق المستمر!
وفي واقع الأمر، فإن الاختيار بين الأمرين عبارة عن طرح زائف، إذ إن كلا السيناريوهين المذكورين صحيح تماماً. ولكن من أنت، وأين تعيش، وما هي وظيفتك، وما هي خلفيتك التعليمية، إنها العوامل التي تحدد وإلى حد كبير مدى ارتباطك الذاتي بأي من هذين السيناريوهين. وفي حين أن هناك دائماً فجوة حقيقية بين الأغنياء والفقراء، فإن هذه الفجوة قد اتسعت كثيراً خلال السنوات العشر الماضية.
وبعبارات عامة، شهدت الولايات المتحدة منذ عام 2010 انتعاشاً متواضعاً في أعقاب الأزمة الائتمانية. وهناك الكثير من الأنباء الاقتصادية المشجعة بدرجة كبيرة، ولا سيما خلال السنوات الخمس الماضية. لكنها كانت أنباء متكتلة وموزعة بصورة ينقصها الإنصاف على صعيد الجغرافيا، والصناعة، والتحصيل العلمي. وحتى الاقتصاد المحلي المؤقت لم يعمل بالشكل المتوقع، حيث يحصل العمال على الأجور القليلة للغاية لدعم عائلاتهم.
وهناك أكثر من سلسلة للبيانات الاقتصادية الكافية للمعلقين غير الشرفاء لاختيار ما يروق لهم إسناداً لمواقفهم المتحيزة غير المنصفة. والموقف المفضل عندي بدلاً من ذلك هو النظر إلى الصورة الكبيرة لمحاولة الوقوف على أسباب وجود هذا الاقتصاد المتشعب بهذه الصورة الراهنة.
والعناصر المشتبه بها المعتادة هي العولمة، والأتمتة، والتحول إلى صناعة الخدمات. ولذلك، دعونا ننظر في الأمر من زاوية التحولات التاريخية. ولديّ هنا 4 نظريات تستحق النظر والاعتبار:
أولاً، الأزمة الائتمانية غيرت كل شيء: كانت الأزمة المالية كبيرة وشاملة للغاية إلى درجة أنه يصعب حتى الآن فهمها وإدراك تداعياتها. ولقد كشفت تلك الأزمة عن الضغوط الهائلة التي لم تكن واضحة وظاهرة من قبل. ويمكن للمرء سحب خط واضح من المكاسب الضعيفة للأجور إلى عمليات السحب المتزايدة في المساكن، وبين ارتفاع أسعار العقارات إلى إعادة التمويل العقاري العدائي.
وبعد انقشاع الأزمة، اضطرت العديد من العائلات إلى الاعتراف الصادق بأوضاعها المالية الخاصة. ورغم أن الأجور الحقيقية ظلت ثابتة منذ عقود، فإن التسهيلات الائتمانية الكبيرة سهلت على ملايين المواطنين التظاهر بغير الواقع والحقيقة، وهذا من الضغوط الاجتماعية والنفسية التي يتعين على الناس قبولها، وعلى الرغم من ضرورة العمل بكل جد واجتهاد ولفترات طويلة من الزمن، فإن مستويات المعيشة آخذة في التدني والانخفاض. وهذا يصح أيضا بالنسبة إلى صناديق التحوط كما هو الحال بالنسبة إلى عائلات الطبقة المتوسطة.
ثانياً، تراجع النقابات العمالية: ضمنت النقابات ذات مرة الوظائف الجيدة لأبناء الطبقة المتوسطة من حيث أجور المعيشة. ولقد أسفرت هذه المقايضة عن زيادة تكاليف العمالة بالنسبة للشركات والسلع المصنعة الأعلى سعراً على المستهلكين العاديين.
وكان هذا فيما سبق، وظلت العضوية في النقابات العملية في تدهور مستمر منذ خمسينات القرن الماضي. واعتباراً من عام 2017، كانت نسبة 10.7 في المائة فقط من الأجور وعمال الرواتب الشهرية في الولايات المتحدة تنتمي إلى فئة النقابات العمالية في البلاد، وهذا يبلغ نصف ما كان عليه الأمر في عام 1983، وأصبحت حصة عمال النقابات في القطاع الخاص متدنية للغاية، حيث بلغت 6.5 نقطة مئوية فقط.
وجاءت نقطة التحول في مصير النقابات العمالية عندما قام الرئيس الأسبق رونالد ريغان بإقالة الأعضاء المضربين عن العمل في منظمة مراقبي الحركة الجوية. وأقرت عدة ولايات، ولا سيما في جنوب البلاد، القوانين التي تزيد من صعوبة النقابات تنظيماً وإنشاء. ومع انخفاض مستويات العضوية في النقابات العمالية، تدهورت تبعاً لذلك مقدرة العمال على كسب الزيادات في الأجور من أرباب الأعمال. وهذه نقطة ترتبط بالنظرية التالية.
ثالثاً، مكافأة رؤوس الأموال بدلاً من العمالة: يمكننا الإشارة إلى إدارات الرؤساء ريغان، وكلينتون، وبوش، وترمب، للتغييرات المختلفة التي شهدها قانون الضرائب الأميركي، والتي كانت أكثر ودية حيال رؤوس الأموال وأصحابها عن العمالة. انخفضت الضرائب على الأرباح الرأسمالية، وكذلك انخفضت السلال الضريبية. والسياسات التي كانت ودودة للغاية مع أصحاب المصالح وجدت طريقها للتنفيذ الفعلي. وعلى الرغم من أن عدم المساواة في الدخل ظل في تصاعد لعقود، فإن الإدارات الرئاسية الأربع المذكورة كان لها تأثير كبير في ذلك.
على الرغم من الزيادات الكبيرة في الإنتاج والإنتاجية خلال العقود الستة الماضية، فإن الحصص المتقلصة لهذه المكاسب كانت من نصيب العمال. وعلى الرغم من ارتفاع دخل العائلات خلال نفس الفترة، فإن جانباً كبيراً من المكاسب يُعزى إلى ارتفاع دخل الأسر مزدوجة مصادر الدخل، حيث إن عدداً كبيراً من النساء قد دخل سوق العمل خلال هذه الفترة.
رابعاً، الطبقة المتوسطة الأميركية الكبيرة ليست إلا استثناء تاريخياً: وتقول نظريتي، التي لا تؤيدها البيانات القوية بكل صراحة، إن المشاركة الواسعة في ثروات البلاد كانت حالة شاذة، وكانت نتيجة التقاء غير اعتيادي للقوى التي تمخض عنها الكساد الكبير، والحرب العالمية الثانية. وكانت المرة الوحيدة التي لم تتمكن من مقاومة القوى التاريخية العارمة.
ولنعد إلى الوراء قليلاً. فخلال الحقبة الإقطاعية القديمة والمراحل الأولية من الرأسمالية، كان الكثير من السكان فقراء ويعملون في زراعة الأراضي، ثم بعد ذلك، في أعمال المصانع، وفوق ذلك كانت هناك مجموعة محدودة من أصحاب الحرف والمتاجر والتجار، وفوقهم كانت هناك طبقة أصغر من النبلاء والأسر الملكية - وفي وقت لاحق، الأقطاب الصناعية الكبرى - مع الثروات الكبيرة الرائعة الخاضعة لتصرفهم. ومع استقراء لتك اللمحة التاريخية إلى زمننا الحاضر، نجد لدينا الطبقة العاملة الفقيرة، والطبقة المتوسطة، والطبقة المهنية، ثم يصغر الهرم نحو القمة شيئاً فشيئاً وصولاً إلى النخبة العليا من الأثرياء.
لقد أطاح الكساد الكبير بأغلب الثروات التي كان يملكها الشعب الأميركي. وبعد الحرب العالمية الثانية عاد 16 مليون جندي أميركي إلى أرض الوطن. ومنحهم قانون «جي آي» الفرصة للحصول على التعليم الجامعي. ومع انخفاض الطلب على السلع الاستهلاكية في فترة ما بعد الحرب، فإن وظائف الصناعات التحويلية كانت وفيرة وتدر دخلاً جيداً للغاية. وكانت بقية العالم تقريباً في حالة يُرثى لها في تلك الأثناء، لذلك كانت المنافسة شبه معدومة أمام الصناعات الأميركية. وبدا كل شيء على ما يرام من المنظور الأميركي آنذاك.
أو كان الأمر كذلك حتى بدأ الارتداد المزري في الإطلال برأسه من جديد. وسرعان ما تلاشت عوامل مع بعد الحرب المذكورة خلال العقود التالية. وفي نهاية المطاف، عاود الاقتصاد الأميركي إلى تقسيماته الطبقية لما قبل الحرب الكبرى.

( الشرق الأوسط)

الكاتب: 
باري ريثولتز
2018 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب