Print Friendly, PDF & Email

Text Resize

-A A +A

السوريون لرأس النظام.."عفوك" غدر وانتقام

كتب علي الحسيني في صحيفة المستقبل:

لا يعني استسلام الشعب السوري أمام آلة الدمار التي ينتهجها النظام في سوريا وأمام هول المجازر والمحارق التي يرتكبها بشكل شبه يومي، أن معاناته قد انتهت. كذلك الأمر بالنسبة إلى دعوات هذا النظام للمعارضة السورية المسلحة بالإستسلام أو التراجع والإنكفاء عن بعض المدن والقرى تحت التهديد بإستخدام الأسلحة الكيماوية، لا يعني أيضاً أن هذه البقع الجغرافية تنعم اليوم بالأمن والأمان ولا حتى يخضع الأهالي فيها إلى الحد الأدنى من العيش بحرية وكرامة، والمثال على عمليات القمع والتنكيل التي يُمارسها النظام ضد شعبه، هو مدينة الغوطة الشرقية التي تُمارس فيها أبشع عمليات الثأر والإنتقام لاعتبارات مذهبية ومناطقية خصوصاً وأنها تُعدّ من المُدن الأبرز التي صمدت بوجه جبروت النظام ووقفت بوجهه حتى إنقطاع النفس وكلّفته آلاف القتلى والجرحى منذ حصارها في العام 2013 وحتى تاريخ سقوطها بداية العام الجاري.

منذ اسبوع تقريباً، وقوات النظام السوري تواصل حملات الاعتقال في مدن وبلدات الغوطة الشرقية وضواحي دمشق، متذرعة بأمور عدة حتى وصل بها الأمر إلى اعتقال النساء، وذلك بهدف الإنتقام من اهالي المدينة الذين واجهوا نظام الأسد باللحم الحيّ على الرغم من الجوع والأمراض وقلّة الدواء، مما تسبب بموت المئات من أبناء البلدة نتيجة الحصار الخانق الذي استمر لفترة خمسة أعوام تقريباً، واللافت في الإنجازات التي حققها اهالي الغوطة بوجه النظام، أنهم انتصروا عليه في أكثر من مرة وفي اكثر من محاولة لاقتحام بلدتهم، لكنهم في النهاية عجزوا عن مواجهة البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية المتعددة والمتنوعة والتي كان للأطفال والنساء حصّة "الأسد" منها، وهذه مشاهدهم وهم ممددون على الأرض ما زالت ماثلة حتّى الساعة في أذهان الشعوب وضميرها وفي أدراج الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التي عجزت عن إنصافهم.

المعلومات الوافدة من الغوطة الشرقية والمناطق المُحيطة بها، تكشف أن النظام السوري وأجهزته الأمنية يتبعون أساليب يعتقدون أن من شأنها أن تبرر لهم الاعتقالات التي يقومون بها بحق المدنيين، فهم يقومون بافتعال اشتباكات وتلفيق تهم للعديد من الرجال حتى يتمكنوا من إدخال تعزيزات عسكرية لشن حملات اعتقال واسعة، مع العلم أن المدينة تخضع لإتفاق مع روسيا أكد على حماية المدنيين وعدم المس بهم تحت أي من الظروف. وفي السياق، ينقل الأهالي بأن النظام ومن خلال أسلوبه هذا، يُحاول أن يُخرج الغوطة من السيطرة الروسية وإيصال رسالة إلى اهاليها مفادها أن النظام وحده قادر على حمايتهم وبأن تعويلهم على الدور الروسي هو مجرد وهم ولن يحول دون أذيتهم أو زجّهم في السجون، او حتى قتلهم في الحالات "الإضطرارية".

منذ يومين أصدر رأس النظام السوري عفواً عاماً عن الجنود الفارين من الجيش السوري، داخل سوريا وخارجها، في خطوة وصفها حلفاء النظام بأن من شأنها أن تعزز عودة اللاجئين السوريين الذين هربوا من بلادهم، بالإضافة إلى منح عفو عام عن كامل العقوبة في الجرائم المنصوص عليها في قانون خدمة العلم رقم 30 لعام 2007 وتعديلاته. هذه "المسرحية" بحسب معظم أهالي المدن التي سيطر عليها النظام بفعل الإجرام الذي مارسه في كل منها، تُشبه إلى حد بعيد تلك الإعفاءات التي أصدرها الأسد يوم سقوط حلب وحمص، يومها سُمح للاهالي بمغادرة منازلهم مع وعود بعدم التعرض لهم، لكن ما حصل في ذلك الحين كان أسوأ من مجرد التعرض، إذ أن أعراضاً قد انتُهكت ودماء استبيحت وزُجّ بمئات الشباب والاطفال في المعتقلات لحظة خروج الاهالي إلى مناطق كانت وصفت يومها بـ "الآمنة".

هي أيّام صعبة ولحظات مؤثرة يعيشها معظم الشعب السوري اليوم من جرّاء النزوح القسري الذي يواجهونه تحت مُسمّى "المفاوضات". الجميع يذكر يوم سقطت الغوطة الشرقية التي تتعرض اليوم لأعنف عمليات القمع الأمنية، كان ثمة امرأة سبعينية تبكي وهي تودع المكان الذي ولدت فيه وتسأل من حولها: أي حرب هي التي تجعلك تجمع أشياءك وتغادر تاريخك إلى الأبد؟ أي حرب تلك التي تجعلك تغادر المكان الذي ولدت فيه وعشت وبنيت فيه أحلام عمرك ومستقبل أولادك؟. بالطبع، يومها غابت الإجابات عن سؤال العجوز، لكن ما كشف حجم معاناة اهالي الغوطة يومها ومثلهم اهالي إدلب اليوم، هو سؤال كان وجّهه نازح من الغوطة لاحد المراسلين الصحافيين بقوله: "ما الذي يجعل الناس يبقون في بيوتهم تحت وطأة حرب لا ترحم وموت يُحاصرهم ويفتك بهم؟.

هذه "الاتفاقات" المعقودة تحت حملات التهديد والوعيد والترهيب والترغيب بالإضافة إلى عمليات القصف المُمنهج للمناطق إحراقاً وقتلاً وتدميراً وما رافقها أمس الأول من "مسرحية" لبشار الأسد في موضوع العفو العام، جميعها أمور تُفاقم من حجم المعاناة الإنسانية لآلاف المدنيين الذين دفعهم الموت والجوع والمرض إلى ترك منازلهم والنزوح عنها كخيار وحيد للبقاء على قيد الحياة. ويُضاف إلى هذه الممارسات، موجة إهانات ومضايقات وعمليات ترهيب وخطف في الكثير من الأحيان وعمليات اعتقال تعسفية، وقد بدا لافتاً في الفترة الأخيرة، أن عمليات التهجير القسري والتهديد بالجوع والعطش ومنع وصول الدواء للأطفال والمرضى، تحوّلت إلى أهم الوسائل لدى النظام وحلفائه لإفراغ البلدات من سُكّانها بعدما عجزوا عن تحقيق انتصارات فعلية على الأرض.
 

2018 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب