Print Friendly, PDF & Email

Text Resize

-A A +A

"بحّار غريق"... واقعية ممتزِجة بأساطير الشرق

10 August 2018

وُلد غابريال غارثيا ماركيز بالفطرة روائيّاً، وعندما كتب تحقيقه الصحافي المكوّن من 14 جزءاً عن القصة الحقيقية لغرق المدمّرة الكولومبية البحرية «أي. أر. س كالداس»، وأطلق عليها اسم «حكاية غريق»، لم يتمكّن أن يخرج من القالب الروائي البديع الذي يصبّه دائماً في إطارٍ مخضّبٍ بالانسياب الإنساني بأسلوب تلقائي بحت.
لا شكّ في أنّ ماركيز قد طعّم سردَه بروح الشرق بأساطيره ونوادره ومجازاته الكثيرة، فروى قصة السفينة الغارقة التي ناءت بحمولة كبيرة جرّاء «تهريبها» للبضائع، مثل الغسالات والبرادات والراديوهات وغيرها، وهو أمرٌ محظور دوليّاً، وغير قانوني على الإطلاق. وأشار الكاتب بأسلوب التلميح إلى أنّ السفينة لم تغرق جرّاء عاصفة كما أُشيع في ذلك الوقت، ولكن بسبب حملها الثقيل، وهذا عن لسان بطل روايته «لويس أليخاندرو بيلاسكو» الغريق الذي ناضل 10 أيام وسط البحر في زورق نجاة صغير، بعد أن أُلقي به عن طريق الخطأ مع بعض من رفاقه في البحر مع الحمولة الزائدة، فمات الجميع ولكنه استطاع أن يصل إلى قارب النجاة بصعوبة شاقة.

تصوير مشهَدي

في تسلسل الأحداث الشيّقة التي جزّأها ماركيز إلى فصولٍ ميتافيزيقية ايديولوجية، تلهث أنفاس القارئ بتتابع وإثارة، لتعيش مع الغريق الحيّ أيامه العشرة لحظة بلحظة، وكأنّ المَشاهد البصرية تتراءى بوضوح تام ومن دون الحاجة إلى شاشة سينما تنقل له البثّ. فالتصوير المشهدي حيٌّ طلق، والإنارة المسرحية التي يُتقنها الروائي ويدسّها في كتابته ويمزجها بالميلودراما في منتهى البراعة.

يظهر في مفاصل عدة من الرواية، وأنا أسمّيها رواية لا تحقيقاً صحافيّاً كما شاء ماركيز، لأنها تختزن كل الطاقات والأدوات الروائية اللازمة للحبكة، تأثّر الكاتب الشديد بكتاب ألف ليلة وليلة، وتطعيم قصته برضابه الخيالي، ليحلّق عالياً في متاهات ما وراء البحور والعقول والأمد الواسع.

هذيان وجنون

فالبطل لويس قد عاش على زورق صغير وهو يتّقي غضب أسماك القرش وحيتان البحر، يصارعها أحياناً من أجل البقاء على اصطياد سمكة، ويشرب من مياه البحر المالحة، وتلفح الشمس رأسه وجبهته وظهره وتعرّي لحم أنامله من الجلد، وتنتشر القروح في جسده كله لتُحدث ورماً كبيراً، وقد ينقلب زورقه أمام الريح الشديدة، أو يرى الطائرات تحلّق فوق رأسه مباشرة دون أن تراه رغم محاولاته الحثيثة للفت النظر إليه، ويخيّل إليه أنه يتحدّث إلى رفيقه البحار الذي قضى في البحر في هذيان تام، وجنون خلّفه الخوف والوحدة والتأمّل في الآتي، ولا يلبث أن يرى طيورَ النورس فيظن بأنّ الفرج مقبل لأنها تبشّر عادة بقرب اليابسة، ولكنّ اليابسة لا تلوح لعينيه ويكاد يفقد الأمل ويدعو الله في سرّه أن يموت ميتة هنيئة تُبعد عنه شبح أنياب أسماك القرش التي قد تحوّله إلى أشلاء مفتّتة إن انقضّت عليه.

يخيّل إليه بأنّه لمح اليابسة من بعيد فظنّ أنه وهم جديد آخر، ككلّ الأوهام التي تجسّدت له في عرض البحر الكبير، ولكنه يتثبّت من رؤياه ويترك زورقه ليسبح نحو الشاطئ حيث يتمّ إنقاذه. وقد تيقّن بأنّه وصل فعلاً إلى وطنه كولومبيا.

مزايدة خيالية

ومنذ اللحظة التي يعود فيها لبلده وعائلته وللحياة، وهو يستغلّ وسائل الدعاية والإعلام من أجل مدّه بالأموال مقابل أن يروي قصته أو أن يظهر في إعلان تجاري عن ساعات وأحذية. وحين كادت جيوبه تفرغ من النقود، يتّفق مع الجريدة التي يعمل فيها ماركيز بأن يسرد قصته وتنشرها له في فصول عدة مقابل مبلغ مادي كبير.

يلمّح الكاتب أنّ لويس، الغريق الحيّ، إنسانٌ غير موثوق به، يغيّر قصته في كثيرٍ من الأحيان، ويشبعها بالمزايدة الخيالية لإثارة العواطف. وهناك نقطة هامة لم يلتفت إليها أحدٌ من النقاد أو القرّاء حتى الآن.. في نهاية الرواية يقول بطلها لويس عندما اتهم بالكذب وتلفيق الكثير من الأحداث التي جرت: «يقولون لي ما هذه القصة إلّا اختلاق عجيب، وأنا بدوري أسألهم، إذن، ماذا كنتُ أفعل طيلة الأيام العشرة التي قضيتها وسط مياه البحر»؟. في تلميحٍ مزدوج بأنّ قصّة الغريق قد تكون من وحي خياله، أو أنه تمّ إنقاذُه بطريقة أخرى واستغلّ الوضع لنسج أسطورة تكسبه هالتها الشهرة والمال.

غابريال غارثيا ماركيث صاحب «مئة عام من العزلة»، والحائز على جائزة نوبل في الآداب، كان شبه منزّه عن النقد كعادته في كتابة رواياته بسبب إلمامه الشديد باللعبة المجازية والواقعية المتاخمة لحدود الفكر والعاطفة لإنجاز عملٍ روائي باهر

( الجمهورية)

الكاتب: 
نسرين بلوط
2018 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب