Print Friendly, PDF & Email

Text Resize

موطن "جنكيز خان" مهدّد

كان شتاء قارصاً، كما هو الحال كل عام، بوسط منغوليا مترامية الأطراف، حيث تعدت درجات الحرارة 50 درجة تحت الصفر، وتجمعت الثلوج لتغطي الأرض العشبية المتموجة، وتخطت أعداد الأبقار والأغنام والماعز النافقة المليون بعد أن عانت الهزال بسبب الجفاف في فصل الصيف، فيما تجمدت خيول البدو الثمينة في مكانها واقفة بسبب الطقس القارص.

وبحسب راعي الماشية نيموردي تمورسانا (38 عاماً)، الذي جلس يرتشف الشاي مع الحليب في بيته الدائري الذي يشبه الخيمة، فقد «كان الوضع بالغ الصعوبة، وكان الجليد عميقاً، حتى وإن حفرت الماشية في الثلج فلن تجد العشب أسفلها. كان علينا أن نشترى العشب لها، ورغم ذلك مات كثير منها»، حسب تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

هنا، في وسط آسيا الفسيحة، الموطن القديم لجنكيز خان وقبيلته المنغولية، يعيش البدو حياة خشنة قاسية، بيد أن أسلوب حياتهم القديم بات مهدداً أكثر من أي وقت مضى، فالتغييرات المناخية العالمية التي تزامنت مع سوء الإدارة البيئية المحلية، والإهمال الحكومي، وإغراءات الحياة العصرية، جميعها شكلت مزيجاً ساماً كفيلاً بتغيير شكل الحياة هناك كلياً.

كل عام، يهجر آلاف الرعاة أسلوب حياتهم القديمة، بالتوجه إلى العاصمة المنغولية المزدحمة «أولان باتور». يمثل التراث البدوي جوهر وماهية منغوليا التي تمر بمرحلة انتقال دراماتيكي مفاجئ، وهي التحول من دولة الحزب الواحد على الطريقة السوفياتية ذات الاقتصاد الموجه إلى دولة ذات ديمقراطية فوضوية واقتصاد حر، ومن ثقافة بدوية بالكامل إلى ثقافة عصرية وأسلوب حياة حضري.

يعد التغيير المناخي المتهم الأول، حيث تعاني منغوليا، الدولة الحبيسة المنغلقة البعيدة عن مؤثرات الحداثة الآتية من المحيط، أكثر مما تعاني أي منطقة أخرى من العالم.

ففي أحسن الأحوال، يسود طقس متقلب، تسقط فيه بعض الأمطار، وتتقلب فيه درجات الحرارة بصورة مهولة، وهذا هو السبب في أن تلك البلاد لا يسكنها سوى 3 ملايين نسمة، يعيشون في مناطق متفرقة، في حالة تعتبر الأغرب في العالم.

والآن، تدرس الحكومة الأسباب التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة بواقع 2.2 درجة مئوية (4 درجات فهرنهايت) منذ بدأ التسجيل عام 1940. ونتيجة لذلك، يصبح الطقس جافاً في فصل الصيف، رغم افتراض سقوط الأمطار خلاله، وأصبح الطقس المتطرف أمراً مألوفاً، بحسب بيرفجاف كمبلوديف، رئيس أبحاث الطقس بمعهد منغوليا لقياسات الطقس والبيئة.

وفي الأراضي العشبية، خارج مدينة «ألتانبلاغ» الصغيرة، يتذكر بانزرغش باتبولد (47 عاماً)، وزوجته ألتانتيا، كيف كانت الينابيع تتدفق من فوق جميع الجبال خلال فترة شبابهما، وكيف كانت الخيول تركض تجاه البحيرة للارتواء من مائها خلال فصل الصيف، لكن «تبخر كل هذا الماء».

وفي السياق ذاته، أفادت وزارة البيئة المنغولية بأن مئات الأنهار والبحيرات والينابيع قد جفت في مختلف أنحاء البلاد. ومع انحسار وتراجع الماء، فإن الصحراء تتقدم، وباتت ثلاثة أرباع الأراضي في منغوليا تعاني من التصحر، وبات الخطر يتهدد الربع الباقي، بحسب دامدين داغفادورج، مدير أكاديمية إدارة وتنمية المناخ بالعاصمة المنغولية.

لكن اللوم أيضاً يجب أن يطال الإدارة المحلية خلال الفترتين الانتقاليتين اللتين مرت بهما البلاد. فخلال الحقبة السوفياتية، حافظت منغوليا، الدولة التابعة، على أسلوب الحياة البدوية، وكانت الماشية ضمن ملكية الدولة، وإن كانت أعدادها محدودة، فيما كانت الدولة توفر الرعاية البيطرية والأعلاف والأسواق.

وفي عام 1990، تفكك الاتحاد السوفياتي، وتخلصت منغوليا من طبيعتها كدولة الحزب الواحد لتتحول إلى دولة ديمقراطية. وبعد ذلك بـ3 سنوات، شرعت الدولة في تخصيص ملكية قطعان الماشية.

ازدادت أعداد الماشية بعد ذلك زيادة كبيرة نظراً لأن الرعاة باتوا يقيمون ثرواتهم وجاههم وفق أعداد الماشية التي يمتلكها كل منهم، غير أن دعم الدولة اختفى بين ليلة وضحاها.

اليوم، هناك نحو 66 مليون رأس ماشية تهيم في الحقول المنغولية الفسيحة، وهو يعادل ثلاثة أضعاف الرقم القديم البالغ 23 مليون رأس، الذي كان موجوداً خلال الحقبة الشيوعية. ويعد الرعي المفرط سبباً جوهرياً في تآكل المراعي، في ظل الزيادة الكبيرة في أعداد الماعز والخراف بغرض التجارة في أصوافها، والسبب الآخر هو عمليات التعدين المنتشرة والعشوائية التي تستهلك كثيراً من المياه الجوفية، مما تسبب في تراجع مستويات المياه.

وفي هذا الصدد، قالت سارول خوادو، المسؤولة بمعهد الأبحاث البيئية بالعاصمة المنغولية، إن «الحكومة فشلت في الارتقاء بالتعليم والرعاية الصحية والبيطرية في المجتمعات الرعوية، ولذلك لم يعد هناك ما يحفز على البقاء في المناطق الريفية».

( الشرق الأوسط)

2018 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب