Print Friendly, PDF & Email

Text Resize

-A A +A

حماقة اللاحكمة

13 March 2018

من يقرأ تحذير البنتاغون لدمشق من “حماقة” استخدام الغاز سلاحاً في الغوطة يتذكر ان مجلس الأمن صوّت نهاية الأسبوع الفائت، وبالاجماع على القرار 2401 الذي ينص على وقف قصف الغوطة الشرقية لمدة ثلاثين يوماً “اعتباراً من أقرب وقت”. القراران، كما كل القرارات المشابهة، قبل حرب سوريا، ومعها، تظهر ان هم من يتخذها هو ملء الفراغ السياسي بالبيانات المناسبة لالهاء الرأي العام العالمي بما لا يجدي، كي يخرس من بقي لديهم حس انساني، من البشر. فلا شيء يستدعي العجلة لفرض وقف اطلاق النار. لا نزيف دماء نصف مليون مدني نصفهم من الأطفال، المستمر من 5 سنوات. ولا يستدعي العجلة أيضاً ان بوتين لا يخفي حبوره باختبار اسلحته الجديدة على اللحم الحيّ للسوريين، تحت نظر وسمع القوى الدولية، التي يغطي انبهارها بـ “الانجاز” الروسي، على اعلان جنرال روسي هو فلاديمير شامانوف، رئيس اللجنة النيابية للدفاع، ان بلاده اختبرت 200 نوع جديد من الأسلحة، “دعماً للشعب السوري”.

كلام شامانوف قمة التحدي للحس الانساني، يلغي اي تمايز بين موسكو وعواصم الغرب. فهو إما يفضح عجز الأخيرة أمام الكرملين، أو يظهر تواطؤها معه. وفي الحالتين يجري الاجهاز على الضمير العالمي، وما يسمى بالرأي العام الدولي.

صار الموت في الغوطة، قضية أرقام واختبار أسلحة، والأمر الوحيد المصان هو حدود النفوذ التي ترتسم في سوريا والعراق، بين القوى العالمية والاقليمية، والغائب الوحيد هو العرب، فعلى جثة منطقتهم يجري تقاسم السطوة والهيمنة، بالدم والسكين، والمدفع والصاروخ. لقد وضعت خطوط القسمة، وحفظت “حقوق” الكبار، لكن بعض التعديلات يستلزم استمرار آلام السوريين، ليسلم رأس النظام من أجل مزيد من التواقيع على صكوك إعادة تشكيل سوريا، وتوزع المغانم.

يوم انهى “التحالف الدولي” احتلال صدام حسين الكويت، قال أهل الخبرة ان الطيران الاميركي لم يضرب موقعاً، لا سيما ما كان رئيسياً، قبل ان ينال المقاولون الاميركيون عقداً لاعادة بنائه. واليوم، تستنسخ موسكو تجربة واشنطن، وتزيد، فتبيع عفرين، لتشتري الغوطة، وتقايض ما لا يفيد خطتها، بما يفيد. بينما تحتار واشنطن في توصيف استخدام نظام الاسد الغاز، أهو “حماقة”، كما يصفه البنتاغون، أم عمل غير حكيم، كما يقول وزير الدفاع جيم ماتيس؟

خذلان باراك أوباما الشعب السوري يوم هدد بإسقاط الأسد اذا استخدم الغاز، ثم تراجع، يتأكد اليوم انه نهج اميركي لم يرتبط بالرئيس السابق. فتهديدات ادارة ترامب في هذا الصدد. كما تهديدات سلفه، حبر على ورق، أو صراخ لتبرئة ذمته. وما تحديد مجلس الأمن “أقرب وقت” كموعد لوقف إطلاق النار إلا تكريس لموت الضمير العالمي المشهور.

سواء كانت حماقة أو عملاً غير حكيم، فان الشعب السوري وحده يسدد الثمن.

"النهار"

الكاتب: 
راشد فايد
2018 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب