Printer Friendly and PDF

Text Resize

الحاضر في أفراح الناس وأوجاعهم

كتب علي الحسيني في صحيفة "المستقبل"

تفرد كل القصص والروايات الخيالية والواقعية مساحات واسعة من صفحاتها لتخبر أن رحيل العظماء لا يكون عادة بطرق تقليدية، إذ ان لهم تقاليد خاصة يتبعونها يتركون في جانب منها بصمات في كل ميدان، حتى اذا غادروا اشتاق لهم الزمان والمكان. وإن تسأل عن حياتهم ورحلاتهم أو عن أحلامهم وطباعهم، فستخبرك الحكايا بشكل مختصر عن رجل كلفه عشقه لوطنه وناسه أكثر من الف كيلوغرام من المواد المتفجرة.

تجول في البلد من أقصى شماله الى أقصى جنوبه، فتراه حاضرا في كل ما تلمحه الأعين. ترى بصماته في المرافئ والمنشآت، في المدارس وعيون الطلاب. تحن الى زمانه فتلمحه في زحمات وهو يبادر الى السلام ويرد التحية بأحسن منها. يسأل عن الناس وأحوالهم ويسأل عن محتاج تعوّد رؤيته بين الحين والآخر. تشتهي مخاطبته ولو لحظات صغيرة، تسأل عنه الناس فيجيبك سائق سيارة اجرة عجوز « لو علمتم من خسرتم لبكيتم دما».

منذ العام 2005 ولغاية اليوم لم يكبُر سائق الاجرة العجوز يوما واحدا، فبالنسبة اليه فقد توقفت عنده الحياة منذ لحظة الإغتيال الكبير. يُخبر وهو يقود سيارته المتواضعة عن حلم خُطف من عيون الأطفال وعن حياة كانت على وشك أن تتحوّل الى متعة. «ايه يا عم كان الشغل ماشي والبلد ماشي».

بين المقاهي في وسط بيروت وفي الشوارع ستجد أشخاصا كثرا ما زالوا يحملون في ذاكرتهم لحظات جميلة جعلتهم على تماس مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بعض هؤلاء روّاد وبعضهم الاخر عمال، وما يجمع بين ذاكرة الفئتين أن رجلا كان يقف عند آرائهم، يُحدثهم عن أعمالهم ويسألهم في بعض الاحيان عن حياتهم الشخصية، ويبتسم لأحدهم لدى معرفته أنه مصري ليعود ويسأله عن احوال أعداد من طيور اليمام كانت تحوم على مسافة قصيرة من مقهى «اتوال» الذي شهد آخر جلسة له مع عدد من الاصحاب.

إن سألت عنه فسيخبرك الناس عن رجل حمل أتعابهم وهمومهم، سلّحهم بالعلم والأمل. تفقد مدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم ومصانعهم، ساهم في مسح دموع اليتامى، فكان الأب والاخ لهم. وسيقولون ان الوساطة لم تعرف طريقا اليه، إذ ان الكفاءة كانت جواز العبور الوحيد الى أي منصب. وسيخبرك هؤلاء عن رجل من طينة أوطان بنى في كل منها بيتا لوطنه. رجل له في كروم الليمون زهر يسأل عنه قبل ان تميل عليها شمس نيسان، وله في شباك الصيادين ومراكبهم ترانيم ترددها الأمواج عند كل أذان. نعم هو ذا رفيق الحريري، رجل إن اتكأت عليه جبال أعدلها، رجل شغل كل الاماكن، لكن لم يتسع له مكان.

في زحمة السير الخانقة استعاد سائق الاجرة العجوز محطات وفضائل للرئيس الحريري، وأقسم أنه لن يسكت عن قول الحقيقة طالما «فيه نفس»، وأقسم بأنه سيضع في يوم ذكرى الإستشهاد عبارة مكتوبة داخل سيارته سيقول فيها «يلي ما بيحب رفيق الحريري ينزل». تحدث الرجل العجوز عن كل ما له علاقة بالرئيس الشهيد. تحدث عن زعماء ووزراء ونواب وعن مؤسسات أعاد احياءها بعد موتها، ولكن القصة الوحيدة التي كررها ورددها اكثر من مرة هي يوم سأل أحد الأساتذة حفيده الذي كان يدرس في احدى جامعات لندن عن موقع لبنان، يومها أنّب الجد العجوز حفيده بالقول « ولك ليش ما قلتلو انك من بلد الشهيد رفيق الحريري؟».

 

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب