Printer Friendly and PDF

Text Resize

العدالة.. وموسم القطاف

كتب يوسف دياب في صحيفة "المستقبل"

كلّما تجددت ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عاماً بعد عام، يتجدد ايمان اللبنانيين، او السواد الاعظم منهم، بمشروع هذا القائد الاستثنائي الذي نذر نفسه وماله ونفوذه في سبيل رفعة وطنه، ودفع حياته ثمناً لهذه الاهداف من اجل حياة كريمة لشعبه ولكلّ انسان امن بلبنان سيداً حرّاً مستقلاً.

صحيح ان الذكرى الاليمة تعيد في كلّ عام تحريك جرح الوطن الذي سبّبه الاغتيال الجبان، الا ان شعلة الامل تعود لتتوهّج عاماً بعد عام، ومعها يتجدد حلم جلاء الحقيقة وكشف خفايا زلزال 14 شباط 2005، واستكمال مسيرة رفيق الحريري وحلمه في بناء دولة قوية سيدة ومستقلة. دولة لا ينازعها سلطانها الأقربون والأبعدون.

مع حلول ذكرى العام الماضي بدا بزوغ فجر العدالة. فالمناسبة حلّت غداة انطلاقة المحاكمات العلنية للمتهمين باغتيال الرئيس الحريري، والبداية المميزة والصادمة للحرفية التي تميز بها افتتاح الجلسات والاسلوب الذي تمكن الادعاء العام من عرض وقائع ما حصل بالصوت والصورة. فيما تحلّ الذكرى العاشرة هذا العام وقد اجتاز قطار العدالة منتصف الطريق، ولم يعد الامر متوقفاً على حلم او امل، لان لبنان بات اليوم على ابواب موسم القطاف، فالمحكمة الدولية ومن خلال عشرات الجلسات حسمت صحة ودقة مئات الادلة التي قدمها الادعاء حول طريقة تنفيذ الجريمة والياتها وهوية المنفذين اقله المعروفون منهم بالأسماء حتى الان، ومن يقف وراءهم، واعطاء الكثير من المؤشرات عمّن اتخذ القرار الكبير بالاغتيال ومهّد له سياسياً وامنياً.

غني عن التذكير طبعاً باستعادة شريط الادلة التي عاينها وواكبها الرأي العام اللبناني والعالمي ايضاً، عبر المحاكمات المستمرة منذ 13 شهرا تقريبا، والتي استطاعت خلالها المحكمة حلحلة الكثير من العقد التي كان يصعب فهمها على عامة الناس، والتي شرحها بالتفصيل الدقيق خبراء المتفجرات والادلة الجنائية وعلوم الجينات الوراثية والزلازل وغيرها، والتي جرى توصيفها بـ»الادلة العلمية»، ومن خلالها جرى تثبيت الكثير من الادلة، واهمها:

- ان الرئيس رفيق الحريري اغتيل بجريمة ارهابية لا تشبه غيرها من الجرائم لا في التاريخ القديم ولا الحديث، اذ ان الجناة ومن يقف خلفهم استخدموا ما يقارب ال-3600 كيلوغرام من مادة الـ»تي. ان. تي» او ما يعادلها من المواد الشديدة الانفجار ليضمنوا ازاحته جسدياً عن المشهد السياسي في لبنان والمنطقة.

- ان التفجير حصل فوق الارض وليس تحت الارض، وان الجناة استخدموا شاحنة ميتسوبيشي «كانتر» لنقل هذه الكمية الهائلة من المتفجرات.

- التثبت من ان التفجير نفّذه انتحاري لا يزال مجهول الهوية، وهو ما نسف كل محاولات فريق الدفاع، الذي سعى منذ بدء المحاكمات الى الاطاحة بدليل التفجير الانتحاري عبر محاولاته المتكررة التشكيك بان اجهزة التشويش في موكب الرئيس الحريري كانت متوقفة، للنفاذ من خلالها الى مزاعم حصول التفجير لاسلكياً، والايحاء ان لا وجود لأي انتحاري، ما يعيد بذلك التحقيق الى نقطة الصفر.

- التأكد بشكل قاطع ان الفلسطيني احمد ابو عدس كان خارج المعادلة. ولم يظهر له اي اثر في موقع الجريمة ولم يعثر على اي قطعة له بين اشلاء الضحايا، ما يؤكد ان الجناة خطفوه واجبروه على تسجيل شريط مزيف يتبنى فيه الاغتيال لحرف الاتهام نحو مجموعة اصولية متطرفة، ليست موجودة الا في مخيلة ابطال هذا الفيلم المزعوم.

- الجزم القاطع بان الجريمة لم تكن وليدة ايام وساعات، انما كانت قيد الاعداد والتخطيط قبل اربعة اشهر من وقوعها، اي في تشرين الاول 2004 واستمرت الى ما بعدها عبر محاولات اخفاء الادلة وتغيير معالمها. والدليل ان الجناة اصروا على الصاق كل ما له علاقة بالجريمة بالإسلام المتطرف، وتصويب البوصلة الى منطقة الشمال، عبر شراء شاحنة الميتسوبيشي من طرابلس، وشراء خطوط هاتف الشبكة الحمراء التي راقبت الرئيس الشهيد من هناك وبأسماء وهويات اشخاص طرابلسيين، والاصرار على شراء بطاقات تعبئة هذه الخطوط من طرابلس، وتعمّد المتهم حسن عنيسي الذي اوكلت اليه مهمة استدراج وخطف احمد ابو عدس اجراء عدد من الاتصالات من داخل مدينة طرابلس ايضا.

- التثبت من وقائع حصول التلاعب في مسرح الجريمة لإخفاء معالمها ونقل ادلة اساسية من موقع التفجير مثل قطع عائدة لشاحنة الميتسوبيشي وسيارات موكب الرئيس الحريري.

هذا في الجانب العلمي والتقني من ادلة الجريمة، اما في «الادلة السياسية»، فلعلّ هذه المرحلة التي افتتحت بالاستماع الى شهادة النائب مروان حمادة على مدى ثمانية ايام جعلت القضية مفتوحة على كثير من المعطيات التي لم تكن بمتناول الرأي العام اللبناني والعربي، ولا شكّ ان شهادات عدد كبير من السياسيين والاعلاميين المقربين جدا من الرئيس الشهيد، ستكشف الكثير من المحطات التي عاشها الحريري في «حربه الباردة» مع النظام السوري ومخابراته في لبنان وعملائه اللبنانيين. لكن افادة حمادة لا يزال صداها يتردد في اروقة لاهاي، خصوصا وانه سلّط الضوء بشكل كبير على مرحلة التمديد للرئيس اميل لحود، والتي كانت دافعا مباشرا لمعركة خفية بين الرئيس رفيق الحريري وبشار الاسد، الذي لم يتردد بتهديده بتدمير لبنان فوق رأسه ورأس النائب وليد جنبلاط، بسبب مخالفتهما التمديد المشؤوم، عدا عن ان هذه الافادة حددت الدوافع التي كانت خلف القرار السياسي بتصفية الحريري، ومنها توقعات النظام السوري وحلفائه بان المعارضة الوطنية وعلى رأسها الحريري تقف ضدّ تحوّل الوصاية السورية الى احتلال كامل، ستكتسح الانتخابات النيابية في ربيع العام 2005، وستفرض خياراتها الهادفة الى انسحاب القوات السورية من لبنان، واستكمال سحب سلاح الميليشيات بما فيها سلاح «حزب الله» مع ما يعنيه ذلك من تبدّل في الخريطة الجيوسياسية للبنان.

وفي الادلة السياسية ايضا، تأتي افادة مستشار الرئيس سعد الحريري النائب السابق غطاس خوري، لتضيف مدماكاً اساسياً على بنية الادلة السداسية وعلى التهديدات التي تلقاها الرئيس الشهيد بالاغتيال. واذا كانت شهادة خوري متطابقة بشكل شبه كامل مع افادة حمادة علما ان الاخير يملك معلومات اوسع، فان ما قاله خوري فيه الكثير من المعلومات الخطيرة، وابرزها مفارقتان بالغتا الاهمية، الاولى عندما كشف ان النائب الشهيد باسل فليحان عاد من جنيف الى بيروت في 13 شباط 2005، اي قبل يوم واحد من الجريمة وتوجه فورا الى قريطم واجتمع بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، وابلغه معلومات اوروبية تفيد ان حياته في خطر، وان هذه المعلومات مستقاة من الاستخبارات البريطانية التي رصدت اجهزة التنصت التابعة لها في قبرص، مكالمات هاتفية لمسؤولين سوريين تتضمن تهديداً صريحاً لحياة رفيق الحريري. والتي على اساسها وجهت دول اوروبية تحذيراً صريحاً الى النظام السوري من مغبة التعرض لحياة رفيق الحريري، وتأكيده انها المرة الاولى التي يأخذ الحريري هذه الرسالة على محمل الجد. والثاني الاتصال الذي تلقته زوجة خوري من مسؤول سوري لدى زيارة الاخير للديمان والاجتماع بالبطريرك نصرالله بطرس صفير، والقول لها: «ان زوجك سيعود من الديمان بالتابوت». وهذا ما سارت عليه افادة النائب السابق سليم دياب الذي كان يدير الحملات الانتخابية للرئيس رفيق الحريري، والذي شرح كيف كان النظام السوري يفرض مرشحين محسوبين عليه في لوائح الحريري، وحديثه ايضا عن التهديدات الصريحة التي كانت توجه للرئيس الشهيد والمقربين منه.

في انتظار ما ستحمله الايام والاشهر المقبلة من المحاكمات وما تنطوي عليه افادات الشهود السياسيين ومنهم الرئيس فؤاد السنيورة والنائب وليد جنبلاط وغيرهما الكثير، فان هذه المحاكمة تشكّل ميزة عن غيرها من المحاكم الدولية، فهي المؤسسة الجنائية الدولية التي تدقق في الف دليل يقود الى هوية المتهمين، بدل البحث عن دليل واحد او ادلة قليلة في محاكم اخرى، هذا قبل ان تدخل مرحلة مناقشة ادلة الاتصالات التي قد تفتح على ابواب كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، ما كشفه فريق الدفاع عن المتهمين بان المدعي العام لديه ادلة تثبت ان بعض هواتف الشبكة الخضراء وتحديدا هاتف المتهم مصطفى بدر الدين كان على تواصل مباشر مع الهاتف الشخصي لرئيس النظام السوري بشار الاسد. ويبدو ان ما بنى عليه الدفاع في مذكرات الطعن بدليل الاتصالات على انها ادلة ظرفية، لم يجد غير هذا الدليل ليحاجج عبره النائب مروان حمادة قبل ان يخفق في هذه المحاولة وتتحول عبئاً اضافياً عليه.

 

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب