Printer Friendly and PDF

Text Resize

ساحة الحرية .. نبض البلد العابق بالشهداء

   
كتبت  رولا عبدالله في صحيفة "المستقبل":

الفرح، الثورة، الغضب، الاعتصام، الخيم، التضامن، أو الاحتفال بعزيز أو بذكرى... كلّها تؤدي الى وجهة واحدة، تجمع ولا تفرق، هي قلب بيروت النابض بالحرية وبالشهداء وبضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

هناك الذاكرة جماعية، من زمن «ساحة المدفع« أيام العثمانيين الى «ساحة البرج« و«بساتين فخرالدين«، الى «ساحة الشهداء« أرجوحة الأبطال، وأخيراً الى «ساحة الحرية« التي كان على اللبناني أن يدفع ثمن تعبيدها خسارة خيرة الرجال، ومنهم من يرقد بسلام في الضريح بجوار الرئيس الشهيد، ليس بعيداً عن المآذن والأجراس حيث يتآخى اللبناني بجوار أخيه اللبناني، يشربان معا نخب المكان في المقاهي ويستريحان على «كرسي بيروت».

وحين تطل الذكرى تغادر راهبات الكنائس أديرتها الى جانب نساء محجبات وغير محجبات، تجمعهنّ لبنانيتهنّ التي أرادها الشهداء بشارة للعالم. يسرن معاً الى الساحة والضريح، حيث تصلّب الراهبات وأخريات يقرأن الفاتحة، والجميع يستذكر تحوّلات ساحة لا بد أنها تؤرّخ لنشوء لبنان بالحجارة والنصب والمباني وأريج المكان أكثر مما نجح المؤرخون ودوّنوا.

فمن الوجهة البحرية لتلك الساحة، كانت الجيوش الأجنبية المعتدية تفاجئ المدينة الآمنة، ومن الوجهة نفسها كانت تغادر مهزومة. وفي الساحة كم من جيش افترش معسكراته على مدى أربعمئة عام. وهناك نفّذت أحكام الإعدام شنقاً بثلة من الوطنيين في السادس من أيار قبل نحو مئة عام. وإبّان الحرب اللبنانية أصبحت الساحة خطوط تماس تفصل بين المتصارعين على مدى 15 عاماً. وهناك وقف الرئيس الشهيد رفيق الحريري لينفض عن المدينة الخراب بدءاً من ساحتها، ومن ثمّ يجول برفقة حفيده مباهياً بعظمة المكان قبل أن يعرّج إليها في مشواره الأخير في الطريق نحو 14 شباط، التاريخ الذي خطف «رفيق الإنسان» وصنع مجداً جديداً للساحة التي صارت قبلة الأحرار والحاضن لمليونية «ثورة الأرز«، تلك الثورة التي نفحت بلداناً عديدة من حول العالم بروح التغيير.

وحيث الساحة، وحيث الضريح، وحيث يتكاثر الشهداء، صار المكان قبلة المظلومين والمحتفين معاً. الكل يجتمع هناك، إنما ليسجّل في أجندة الرئيس الشهيد موعداً أو شكوى أو انتصاراً، وهكذا صار على مدى السنوات العشر التي تراكمت بحلوها ومرها، فأن يحلّ الرابع عشر من شباط، أو الرابع عشر من آذار، يعني أن تتوشّح الساحة بالأحمر والأبيض وبصور الشهداء والوفود التي تتقاطر من أجل أن تجدد الوعد والولاء للوطن أولاً، وللشهداء ثانياً، وللخط الذي يجمع ويبني ثالثاً.

وأن يأتي الميلاد يعني أن نجمة المدينة لا بد أن تلمع أولاً في أعلى الشجرة المنصوبة وسط الساحة، وأن توزع الهدايا على الأطفال الذين يصادف عبورهم من هناك.

وأن يحل شهر رمضان مخترقاً الحروب والإرهاب والمناكفات، يعني أن هناك «احتفالية رمضان» يقيمها المحتفون بالشهر على مقربة من الضريح حيث تنظم المسيرات والمسرحيات وكرمس الأطفال وصولاً الى إضاءة فانوس رمضان الذي يرمز الى شعلة النور«.

وأن يغضب المجتمع المدني، يعني أن الساحة وحدها وجهة النشطاء لتسجيل مواقف من الواقع السياسي والاجتماعي مع مراعاة أن يكون العلم اللبناني وحده المرفوع هناك، وهو الأمر الذي طالما نادى به الرئيس الشهيد.

وأن يتضامن اللبناني مع جيشه والقوى الأمنية، يعني أن الدعوة مفتوحة للتجمع بجوار تمثال الشهداء. حتى أن الجولات الترفيهية التي تنظمها الأندية والمؤسسات صارت تنطلق من هناك كبادرة طيبة على حسن نية المشاركين. حتى أن اللقاءات الروحية صارت تتلاقى في الساحة، بمشاركة رجال دين من كافة الطوائف، وشخصيات وهيئات نقابية وكشفية، حيث تضاء الشموع والدعاء المشترك بين أبناء الطوائف على اختلافها.

وأن لا يجد أهالي عرسال النازحون من بلدتهم في آب الفائت إبان معارك الجيش مع الجماعات المسلحة من «النصرة» و»داعش» من يسمع صرخاتهم بفعل الحصار الذي عانته بلدتهم، حيث لا ماء ولا كهرباء ولا دواء ولا خبزاً ولا أبسط مقومات الحياة، يعني أن أفضل وجهة للشكوى يجب أن تكون من أمام الضريح.

وأن يستبيح العدوان الاسرائيلي غزة، على مرأى ومسمع الشعوب التي طالما تغنت بحق الشعوب في العيش بأمان واستقرار، يعني أن لا بد هناك من وفود تتقاطر الى الضريح للتضامن مع الغزاويين ولإقامة صلاة الغائب عن أرواح الشهداء، كل الشهداء.

وأن يشكو أهالي العسكريين المخطوفين وجعهم ولوعة فراقهم عن أبنائهم، ويصرخوا للعالم بأن أنقذوا أبناءنا، فليس هناك سوى جوار الضريح مكاناً أنسب لمطلبهم الإنساني ولنصب خيمة وتلاوة بيان من قلب أب مفجوع وأم في الانتظار.

وأن يأتي عيد الموسيقى ولا يحمل الفرح الى المدينة، فهو أمر مستبعد لأن الشهداء الذين ينبضون في قلبها يروون أنفسهم بمناخاتها وإيقاعاتها وبصخب الشباب الذين اعتادوا الاحتفال بمثل تلك المناسبات متنقلين من ساحة الشهيد سمير قصير الى أسواق بيروت الى ساحة الشهداء الى الجميزة وسواها.

وأن يزور لبنان رئيس دولة أو شخصية عربية أو سياسية أو فنية أو اجتماعية أو عسكرية من دون أن يزور الضريح، فهو أمر مستبعد .

وأن يبادر نحو 1800 شاب لبناني للدخول الى موسوعة غينيس من خلال تشكيل حرف «U«، الذي يرمز الى «united«، أو متحدين، فليس هناك من ساحة يتسع قلبها لاحتضانهم أكثر من ساحة الشهداء لما للمكان من عظمة ودلالة.

حتى أن مياومي «كهرباء لبنان»، حين اختاروا التحرك للمناداة بمطالبهم، اختاروا ساحة الشهداء منطلقاً لتحركاتهم اللاحقة.

ولا تنتهي المناسبات التي تسجّلها الساحة، على مرأى ومسمع من الرئيس الشهيد ورفاقه «الثوّار»، وكأن الثورات والاعتصامات ووداع العظماء والفرح والحزن لا يتوّج بعبق الثورة وروحها من دون أن يمر من هناك، من الساحة، بجوار الرفيق.
 

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب