Printer Friendly and PDF

Text Resize

عندما حقّق حلم اللبنانيين: الكهرباء 24/24

كتب رائد الخطيب في صحيفة "المستقبل":

عام 1998، بلغت ساعات التغذية بالكهرباء 24 ساعة على 24. كان ذلك في أيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي شكل علامةً فارقة بين كل رؤساء الحكومات في لبنان نظراً لرؤية تغييرية ميزت مشاريعه الاقتصادية وحملتْ لبنان على إعادة تموضعه كمركز للاعمال في هذه المنطقة من العالم.

فعندما تسلم الحريري رئاسة الحكومة في العام 1992، كان في جعبته رؤية اصلاحية شاملة شكلت القاعدة الاساس لاطلاق مشروع اعادة الاعمار وتطوير البنى التحتية وتحديثها، بدءا بتحسين خدمات الكهرباء والمياه وبناء شبكات الطرق الدولية وشق واصلاح الطرق الرئيسية وتطوير وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية، ومن ثم اعادة تفعيل الاقتصاد والادارة.

اذاً كانت الكهرباء من ابرز القطاعات التي اولاها الرئيس الشهيد اهتماما استثنائيا. هذا القطاع الذي تعاقب على ادارته لاحقا وزراء ينتمون الى قوى «8 اذار» فشلوا في اضافة ميغاوات واحد على الشبكة منذ انجازات الرئيس الشهيد رغم انهم اقتبسوا كثيرا في خططهم من رؤيته الشاملة. لا بل لدى لبنان عجز يفوق الـ1500 ميغاوات. وهو ما يطرح تساؤلا اساسيا حول الاسباب التي منعت وزراء الطاقة من المضي قدما في مشروع الرئيس الحريري الكهربائي. ألم يكن بالامكان الانتقال من مرحلة الخسارات المدوية في القطاع والتي وصلت الى 29 مليار دولار في شباط 2014، وباتت فاتورته عبئاً تنوء عن تحمله الخزينة؟

كانت رؤية الحريري تهدف الى تحويل مؤسسة كهرباء لبنان من قطاع خاسر الى رابح. وهي رؤية شاملة تقوم على النهوض الشامل لكافة القطاعات المكونة للكهرباء، اي الانتاج والنقل والتوزيع. ويأتي في مقدمة ذلك إضافة مجموعات انتاجية جديدة تستطيع تلبية الطلب المتنامي على الكهرباء وخصوصاً بعد توقف الحرب الأهلية، وبدء مرحلة البناء. كما ان الخطة تولي عمليات التأهيل قدراً كبيراً من الاهتمام نظراً للحاجة الملحة للكهرباء، سيما وأن التأهيل لا يأخذ الوقت الذي قد يستغرقه بناء معامل أو إضافة وحدات انتاج.

وخلافاً لما يدعيه البعض، فان المشروع لحظ جدولاً زمنياً لمشاريع القطاعات في الكهرباء، وتأمين الاستملاكات بشكل متزامن، بحيث تم تشغيل التجهيزات الجديدة فور الانتهاء من تنفيذها، مما أدى الى تأمين توزيع للطاقة بشكل متوازن.

إلا أن عراقيل سياسية كبيرة اعاقت تنفيذ المشروع بشكل كامل وحسب المدة المحددة. فما انجز منه لم يتم وفق المراحل الزمنية المطلوبة، ما تسبب في تراكم الأعطال وفاقم من وضع المؤسسة المالي وتسبب في هدر أموال طائلة من خزينة الدولة من خلال الاستمرار في إعطائها «كهرباء لبنان» المؤسسة السلفة تلو الاخرى بهدف ضمان استمرار عمل القطاع من جهة وسداد ديونها من جهة اخرى. علما ان مشروع الرئيس الشهيد كان حدد تاريخ 13/12/ 1999 حداً أقصى لوقف السلف لمصلحة مؤسسة الكهرباء.

كيف عادت الكهرباء 24/24 ساعة؟

عندما جاء الرئيس الحريري الى الحكم، كانت الحرب الاهلية قد أتت على قطاع الكهرباء في لبنان، بحيث لم تعد هناك من محطات أو معامل صالحة للعمل، وكان التقنين السائد يومياً.

وقدرت الطاقة المنتجة آنذاك بنحو 500 الى 600 ميغاوات لكافة المناطق اللبنانية، يقابلها طلب يراوح بين 1100 ميغاوات و1300. وقد استعيض النقص بمولدات كهرباء خاصة تعمل على المازوت، أي الحلول بشكل ما مكان المؤسسة الرسمية، وهو ما استنزف جيوب اللبنانيين وزكم أنوفهم من غيوم التلوث التي تسببت بها تلك المولدات.

لكن في العام 1998، أصبحت هناك 24 ساعة تغذية بالكهرباء، في بيروت تحديداً، وقد أقنعت الدولة أصحاب المولدات الخاصة بالتوقف بعد تحسين أوضاع الكهرباء.

فماذا حصل؟ كان هذا الانجاز الذي نفتقد اليه اليوم بفعل عمليات التأهيل الطارئة لقطاع الكهرباء كخطوة اولى عاجلة. كما وضعت خطة كهرباء متكاملة قدرت تكاليفها بـ2،2 ملياري دولار: 47 في المئة من الخطة للاستثمار في انشاء معامل انتاج جديدة بقدرة 1000 ميغاوات، ووضع وحدات انتاج بقيمة 200 ميغاوات في المعامل التي انتهى عمرها ومنها الجية، و31 في المئة من التكاليف مخصصة لقطاع النقل، و18 في المئة لقطاع التوزيع.

ولقد انفق الرئيس الشهيد 1،4 مليار دولار لتحسين قطاع الكهرباء، أنشأ بموجب هذه المبالغ 4 مصانع كبيرة، هي: دير عمّار، الزهراني، صور وبعلبك، مضافاً اليها صيانة المعامل الأخرى ولا سيما المائية منها. كما أزال أضرار الحرب، وأقام الشبكة المتكاملة التي ما زالت متوقفة الى اليوم في المنصورية، لتكون الكهرباء في 1998متوافرة 24 ساعة على 24 ساعة.

ولقيت خطته تخصيص التوزيع والانتاج محور معارضة شديدة وعرقلة موصوفة تسببت بانهيار القطاع واضاعة فرص تطويره وتحديثه. علما ان الرئيس الشهيد كان أراد إدخال القطاع الخاص لانه كان على ادراك تام بانه لن يتم انتاج الكهرباء في لبنان فقط عن طريق الدولة، فاقترح خصخصة المعامل الجديدة، وهو ما تسبب بمعارضة كبيرة لمشروعه.

اما المشروع الثاني الذي سعى الحريري جاهداً من أجل تحقيقه، فهو القانون 462/2002 المتعلق بقطاع الكهرباء وتنظيم هذا القطاع عبر انشاء هيئة ناظمة واعادة النظر بكيفية إشراك القطاع الخاص، وهو القانون الذي لم يطبق الى اليوم.

ومحصلة هذه العراقيل كانت تحويل القطاع من رابح إلى خاسر واستمرار هذا الوضع الى اليوم مع زيادة العجز الذي يرهق الخزينة. فالتحويلات الى المؤسسة بلغت حتى شباط 2014 نحو 29 مليار دولار، أي ثلث الدين العام أو ما يعادل 10 في المئة من الناتج المحلي، فضلاً عن الخسائر المتكررة في الاقتصاد رغم اشتداد ساعات التقنين، فيما على المواطن أن يتوسل مدّهُ بالكهرباء.

هذا هو حال الكهرباء اليوم.. الى مزيد من التدهور. ففي الذكرى العاشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، لا بأس من استذكار مشروعه الذي لو نفّذ لكان لدينا وفر محقق على صعيد الكهرباء، ولكان لبنان ينعمُ بمفاعيل القانون 462، واستعدنا الانجاز الذي حققه اي 24 ساعة كهرباء على 24 كما في العام 1998، بدلاً من تغطية سماوات العجز بقبوات مولدات الكهرباء.

 

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب