Printer Friendly and PDF

Text Resize

الاستبداد قتل الحريري وقمع الثورات العربية

كتب  يقظان التقي في صحيفة "المستقبل":

عشر سنوات ذهبت بعيداً في تحميل لبنان أعباء العنف المتراكمة وأعمال القتل فوق ما احتمله في أيام الحرب والفرز الطائفي والانقسام.

عشر سنوات ذهبت بعيداً بما كان يرى إليه الحريري عنوان السلام والاستقرار الداخلي والبقاء والأمل، ونحن نرى بعد عشر سنوات على جريمة اغتياله ما حل في لبنان مع أولئك الذين يقودون لبنان من استبداد إلى استبداد ومن وصاية إلى أخرى ومن عنف إلى آخر، أولئك الذين يهدمون كل ما بناه الحريري ويقودون البلد والمنطقة إلى كل ما هو سلبي.

الاستبداد هو الذي قتل رفيق الحريري. والاستبداد نفسه هو الذي واجهته الثورات العربية يحاول تقويض الدولة الحديثة ومؤسساتها والتنكر لإرادة التغيير وكرامة الناس وسلامهم وجامعاتهم ومدارسهم واقتصادهم وذكائهم وأحلامهم وأمنهم وحريتهم ورفضهم الوصايات على اختلافها ببلدانهم وسعيهم للحد الأدنى من التنمية الاجتماعية وأن يصيروا جزءاً من العالم.

عشر سنوات والمنطقة في لحظات الأزمات، يبرز وجه الحريري أكثر من أي وقت مضى في كل مكان حيث العالم يتعرض لخطر العنف والتشدد والتقسيمات الانتقائية وصراع الهويات وعبء الجماعات الإرهابية على الدولة المدنية في إطارها التشريعي والقانوني وحيث لا بديل عنها في مواجهة أخطار تهدد وضعاً عالمياً هشاً.

عشر سنوات ورفيق الحريري مجدداً أكثر ما يشبه عالم التسامح والاعتدال الذي انتهجه على المستويات السياسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية ومساهمته بوقف الحرب اللبنانية والحرب لا تعرف لا الديموقراطية ولا البناء ولا التنمية.

وإذا كان لا بد من استنتاج أولي بعد عشر سنوات فهو أن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان مؤشراً لكل ما يجري من أحداث في المنطقة ولمشاريع تريد أن تديم معادلة تلغي دور الدولة العربية المدنية والمستقبلية.

والأولوية يذكرنا الرئيس الحريري بها: توسيع الأفق الحيوي للإنسان العربي ولبقاء لبنان النموذج أولاً الحديث بإيقاع إيجابي في مواجهة أوضاع عالمية معقدة.

هنا مقاربتان من الأستاذ الجامعي والكاتب وعضو حركة «التجدد الديموقراطي« الدكتور حارث سليمان والصحافي والكاتب السياسي السيد علي الأمين.

الأمين:اغتيال الحريري يعني بقاء المنطقة تحت الوصاية

يقول علي الأمين: «يفتح الحديث عن 14 شباط والذكرى العاشرة على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري على أشياء كثيرة وأريد التركيز على قضية مركزية على عملية الاغتيال، شكل الاغتيال ويوم الاغتيال الذي شكل صدمة على المستوى اللبناني وعلى المستوى العربي والدولي. وعلى المستوى اللبناني، هذه الصدمة شعر بها كل لبنان. بلحظة ما شعرنا أننا أمام المجهول وهذا عكس خطورة ما جرى لجهة حجم الرئيس الحريري وشخصه.

لا أعتقد أن هناك اغتيالاً أو جريمة ارتكبت بحق شخص أثارت كل ذلك القلق والخوف والتساؤل. ثم إن هذه اللحظة المؤلمة مهدت للاندفاعة الكبرى التي شاهدناها في 14 آذار كرد على الجريمة بمشهد لبناني ضخم، أجزم بأنه كان يعبر عن كل اللبنانيين ولو كان مسبوقاً بتظاهرة 8 آذار. المشهد في 14 آذار كان لبنانياً خالصاً.

جاءت 14 آذار رداً مدوياً على الجريمة وأنا شخصياً كنت في موقع المختلف كمواطن لبناني مع الرئيس الحريري وما كنتُ من المؤيدين له. لكن اغتياله أصابني في الصميم ولو كنت حينها في موقع المختلف معه. والاختلاف موجود عند البشر والناس. ولكن هذا الاختلاف لا يعطي أخلاقياً حقاً لأحد في الدنيا بإلغاء شخص أو إزالته أو الفرح لمقتله..

هذه الجريمة أصابت مؤيدي الرئيس الحريري ومعارضيه وحتى المترددين والحياديين أو غير المعنيين سياسياً بالاصطفافات القائمة.. هؤلاء أحسوا بأن الاغتيال مسهم بالصميم واعتبروا أنها محاولة اغتيال لبنان، اغتيال فكرة لبنان، فكرة الدولة والحياة السياسية.

الاندفاعة التي أشرنا إليها في 14 آذار، جاءت محاولة انتفاضة الرد على الجريمة السياسية ومحاولة استكمال سيادة لبنان أو استعادة السيادة وأدت لاحقاً الى انسحاب الجيش السوري.

يبدو لنا أن الأيام كشفت لنا نحن اللبنانيين الذين انتفضنا بمواجهة اغتيال الرئيس الحريري أننا فشلنا بأن نكون على مستوى حلمه في قيام الدولة وتحقيق السيادة والإنجاز الوطني وهذا الفشل ليس ناتجاً من قصور (موجود عندنا)، ولكنه ناتج عن حجم الهجمة المضادة. لم يكن قتل الحريري قتلاً في الخطأ، بل قتل يستند إلى مشروع ومسار يريدان تحقيق أهداف سياسية واجتماعية.

الهجمة كانت كبيرة وهذا ما شاهدناه خلال السنوات العشر الماضية، النزاع الشديد بين بناء الدولة من جهة وبين تهميشها لحسابات غير وطنية من جهة أخرى.

مشاريع كبرى واجهت قيام الدولة ورأينا على مستوى المنطقة السياسي كيف شكّل اغتيال الحريري فاتحة لمشروع ضخم من العنف على مستوى المنطقة.

هناك من يريد لهذه المنطقة أن تبقى تحت الوصاية، تحت السيطرة على غرار نموذج لبنان تحت الوصاية السورية. مطلوب أن تبقى كل المنطقة العربية تحت الوصاية أو الوصايات المختلفة.

الشعوب العربية ولو بأشكال فوضوية تعبر عن إرادة في التغيير الذي لن يأتي غداً. ولكنها تذهب بالعمق باتجاه تحقيق الفصول الجديدة من الربيع العربي ونحن اليوم في مرحلة مخاض وفي مسار تاريخي تصاعدي وليس مسار هبوط بالعمق..

ما حدث في 14 شباط، سنقرأه بعد 30 سنة أو 40 فاتحة التغيير الحقيقي، على مستوى المنطقة العربية وجوهر هذا التغيير الانتفاضة على كل الوصايات. انتفاضة 14 آذار كانت ضد الوصاية السورية، العالم العربي اليوم سينتفض ضد كل الوصايات، وهذه انتفاضة حقيقية يلزمها وقت«.

«14 شباط تستدرجنا للحديث عن 14 آذار«، يشرح الأمين ويضيف: «ليس هناك من خلاف على شعارات 14 آذار التي أطلقتها القوى السياسية أو ممثلوها أو القوى التي حاولت مصادرة 14 آذار.

على الأقل شعاراتها وما قدمته من مثل شعار العبور إلى الدولة. هذا شعار لا يختلف عليه أحد. ولكن هذا ليس عملاً بسيطاً أو خطابياً أو كلامياً أو دغدغة لمشاعر الجمهور أو تعبيراً عن طموحات الراغبين بالانتقال إلى الدولة..

نحن جميعاً معنيون بالحوار، ومعنيون بالحوار الوطني، ولكن بالزخم نفسه معنيون بأن يكون الحوار منطلقاً من أسس وثوابت لا يجب أن نضيع عنها.

نحن في وطن اسمه لبنان، وفي دولة اسمها لبنان لها دستورها وقانونها وميثاقها، وأي حوار لا ينطلق من هذا الأساس لا يصل إلى نتيجة. الحوار مطلوب بالتأكيد مطلوب. الاختلاف أمر مهم لكن على أسس نحن متفقون عليها ونسعى من خلالها إلى تطوير نظامنا. وننطلق من هذه الأسس وأي حوار لا ينطلق من هذه الركائز والقواعد لن يصل إلى نتائج، إذ لا بد من التأكيد اليوم وأكثر من أي وقت مضى على النقاط التالية وتحديداً في ذكرى الحريري.

ـ أننا أبناء هذا الوطن.

ـ أننا كلنا أبناء هذه الدولة.

ـ نحترم دستورنا وميثاقنا.

ـ نحترم سيادة الدولة.

ـ نحترم اختلافنا ونلتزم بقواعد وشروط الدولة.

إي حوار لا يرتكز على هذه القواعد لن يصل إلى نتائج إيجابية.

سليمان: اغتيال الحريري كان مفتاحاً

على دورة العنف في المنطقة

يلامس الدكتور حارث سليمان الوعي العام الذي أحدثته جريمة اغتيال الرئيس الحريري ويقول لـ»المستقبل»: «عشر سنوات مرت على الذكرى الأليمة جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ما يمكننا أن نفهم أكثر الأسباب والدوافع الحقيقية لجريمة الاغتيال تلك.

من اللحظات الأولى للاغتيال كان يغلب على عقولنا وأفكارنا الغضب والشعور بالظلم، الشعور بأن نظاماً استبدادياً يستبيح البلد، يستبيح كل شيء، وكانت قمة الممارسة وقمة العنف، في ممارسة الاستباحة تلك عبر أن تقتل رفيق الحريري وتحرقه بـ1500 كلغ من مادة الـ»تي.أن.تي.« المتفجرة.

كان هذا الحادث الفظيع والمأسوي استثناء.

وتستمر بعد عشر سنوات على هذا التواصل مع العنف المستشري بكل المنطقة العربية أكان ما يمارسه تنظيم داعش أو ما يمارسه النظام الأسدي، الذي يلقي بأسلحة الدمار الشامل وبالأسلحة الكيماوية على الأطفال ويقوم باقتلاع مدن بكاملها عبر البراميل المتفجرة، وصولاً إلى العنف المسلّح الذي تمارسه الجماعات الإرهابية في مصر أو الحرب الدموية في ليبيا وصولاً إلى اليمن والعراق.

كأن اغتيال الشهيد رفيق الحريري كان مفتاحاً، مؤشراً على دورة العنف بالمنطقة«.

ويضيف «كان رفيق الحريري ينتمي إلى خيار الدولة الديموقراطية الحديثة، وكان منتمياً إلى خيار الاعتدال والبعد عن الافكار الظلامية وتحديداً منها الإسلامية السلفية.

كان يريد أن يكون جزءاً من العصر، لم يكن يستهويه نموذج ابن تيمية ولا الولي الفقيه، كان يستهويه نموذج مهاتير محمد في ماليزيا ودرة مشاريعه ونموذج مشاريعه كان نظرته إلى النجاح على غرار مدينة كمدينة دبي.

كان يحلم بأن يجعل من بيروت ما هو أبهى من صورة دبي، وما هو أنجح من تجربة سنغافورة وما هو أذكى من تجربة ماليزيا. ولأنه كان كذلك، كان على صدام، ليس صداماً شخصياً، مع نظام منظومة الاستبداد العربي، هذه المنظومة ورثناها منذ نهاية العهد أو العصر العباسي.

ورثنا استبداد امراء الجند والذين من أجل أن يتولوا الحكم ومن أجل أن يجعلوا كلامهم مقدساً، زعموا أنهم في موقع مقاتلة إسرائيل وأن ذلك واجب على الأمة. وكل نقاش في وجه خياراتهم (غير الحقيقية فعلياً) يصنف بالعمالة للعدو الإسرائيلي.

وورثنا هذا الاستبداد من الظلامية الدينية المقدسة بشقيه السني والشيعي والذي يكفي أن تبدي رأياً فيه أو تعارضه لتصنّف بالكفر.

وبين الكفر والعمالة حكمنا بالاستبداد تارة باسم معركة فلسطين وطوراً باسم وفكرة الله وفلسطين والله براء من كل هؤلاء الأدعياء. لذلك كان استشهاد رفيق الحريري بداية معركة هؤلاء ضد كل ما هو متأصل وجميل من أفكارنا ولغتنا وتاريخنا.

كان استحضاراً لكل «قباحتنا« في الحكم والسلطة واليوم نفهم عميقاً أن يبدأ هذا العنف بأن يحرق رفيق الحريري وأن يحرق منذ ايام طيار أردني بالبنزين وهو حي. فالاستبداد هو الذي أحرق رفيق الحريري وهو الذي يلقي براميل الموت في دمشق أيضاً وعلى مفاصل أساسية في سوريا وهو الذي سيطر على الرقة.

وفي هذه المحطة اليوم لا بد من بعض النقد الذاتي، لقد استسهلنا التغيير، واعتقدنا في بعض الأحيان أن التغيير مجرى سهل في حياتنا وفي العلاقات السياسية.

لعل الدرس الأول الذي علينا استكشافه هو أن التغيير يبدأ من القيم، وما لم ينجز ثورة حقيقية في نظام قيمنا التي تطال ثقافتنا وأفكارنا، كل محاولة للتغيير ستكون إما محاولة قاصرة أو إذا نجحت المحاولة نسبياً أو قليلاً جرى الارتداد عليها. إذ لا يمكن مقاومة الاستبداد باستبداد آخر ولا مقاومة الظلامية بظلامية أخرى.

الحل مع الاستبداد هو بالمزيد من الحرية، بالمزيد من الانفتاح.

 

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب