Printer Friendly and PDF

Text Resize

كم خسرتم بقتله – وسام عبدلله

خاص- almustaqbal.org

عندما تسقط الجبال تتدحرج الحجارة إلى القعر. في 14 شباط 2005 سقط واحد من جبالنا وتوالى سقوط الحجارة إلى القعر ولا يزال. هوت هامة عملاقة ملأت فضاءات لبنان والعالم إشراقا وشغلت الناس حضورا، لكن أبناء الظلمات ومن اعتادوا العيش تحت الأرض، يخشون سطوع الشمس ونور الضياء، فينشرون ظلمتهم وظلمهم وينحرون غيرهم فينتحرون، ويسقط الهيكل على رؤوس الجميع.

هذا ما حصل ظهر ذاك النهار المشؤوم من 14 شباط. وشاءت الأقدار والأضداد أن يتحول عيد الحب إلى أبشع صورة لممارسات الحقد عبر التاريخ. الشهيد رفيق الحريري الذي كان نصيرا للأقربين والأبعدين في محنهم، حوّلوا حياته إلى محنة ومأساة. ولكن إنصاف التاريخ حوّل استشهاده إلى بطولة وإلى سيل هادر من الوفاء لا ينضب، ولن يتردد في جرف الحصى الصغيرة التي تحاول اعتراض طريقه. وها هي العلامات قد بدأت تتظهّر.

غياب رفيق الحريري كان خسارة كبيرة لمحبيه ومؤيديه، صحيح، وكان خسارة كبيرة للبنان التوّاق إلى النهوض من الركام والتفتت والإنحلال إلى الإزدهار والسلام والبحبوحة، أيضا صحيح، وكان خسارة للعالم الذي فقد برحيله أبرز قادته وخير صانعي سياساته، ولكن قتل رفيق الحريري كان بالقدر نفسه خسارة لمن غاظهم إبداعه فهشّموه وأزعجتهم ديناميته فأوقفوها وهالهم نجاحه فظنوه فشلا لهم ففجروه. إنها جذوة الحقد عندما تحرق مسيرات السلام وشرارة اليأس عندما تشعل النفوس خساسة فتلقي بحممها على أجساد العمالقة.

لكن الحاقدين أنفسهم لم ينجحوا في إطفاء شعلة الحياة ومسيرة التقدم. فغياب الشهيد الكبير لم يكن إلا حافزا لنا جميعا لشحذ العزم ومواصلة مسيرته باندفاع أكبر وأمل بالمستقبل لا يخمد، وهو الذي طالما عاش المستقبل تحضيرا للأجيال الطامحة والتوّاقة ألى غد مشرق. وها هو الشيخ سعد رفيق الحريري يحمل الشعلة بكل ثقة بالمستقبل وكل إيمان بأن النصر يكون دائما حليف المثابرين الواثقين. يتعالى على الجراح، هديه في ذلك ما اختطه الرئيس الشهيد من دروب النجاح، ورصيده إرث القائد الكبير وتأييد مناصريه وإزر أحبائه، متسلحا بالإعتدال نهجا وبالحقيقة وهجا وبالحكمة أسلوب حياة. وهو وإن كان لم ولن ينسينا الشهيد الكبير، إلا أن عزمه وسلوكه يثلج قلوبنا بقطرات ماء أحيت الأمل فينا من جديد بأن الجبل سيرمم وسينهض الفينيق من رماده.

يا قاتلي رفيق الحريري، كم خسرتم بقتله؟ وإن كنتم لم تصحوا بعد من إجرامكم الأعمى، فالأكيد أنكم ستصحون يوما وتكتشفون هول ما فعلت أيديكم القذرة المضرّجة بدم الأبرياء، وضمائركم الملوَّثة بوحول الحقد، ونفوسكم الغارقة في ظلمات الضلال. وستتمنون لو لم تفعلوا ذلك، لأنكم تموتون كل يوم بموته. فالله زلزل الأرض تحت عروشكم وأظلم السماء فوق رؤوسكم وبلاكم بشر قتالكم فتموتون ولا تتورعون.

يا قاتلي رفيق الحريري، إعلموا إن كنتم تجهلون، أن ما من يد إلا ويد الله فوقها وأن ما من ظالم إلا سيبلى بأظلم. وهو ما يتحقق حتى يتوب المجرمون ويزول حقد المتآمرين.

 

وسام عبدلله

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب