Printer Friendly and PDF

Text Resize

مَن اغتال الحريري ولماذا؟

 

كتب شارل جبور في صحيفة "الجمهورية":

إذا كانت سوريا وراء اغتيال الشهيد رفيق الحريري لماذا كلّفت «حزب الله» باغتياله، هذا في حال ثبت أنّ عناصره الستة تولوا تنفيذ المهمة؟ وهل كانت عاجزة عن شطبه من المعادلة من دون اللجوء إلى الحزب؟ وهل كانت تخشى فعلاً من دوره والنتائج المتوقّع أن يحققها في الانتخابات النيابية؟

كل المؤشرات الظاهرة للعلن تقود إلى اتهام النظام السوري باغتيال الحريري: المواجهة العنيفة في قضية التمديد للرئيس إميل لحود على رغم انه عاد ومشى بهذا التمديد، إستقالته من الحكومة في خطوة تعبّر بشكل أو بآخر عن رفضه مواصلة التعامل مع الأمر الواقع السوري، إتهامه بالوقوف خلف القرار ١٥٥٩ الداعي الى إخراج الجيش السوري من لبنان، التوجّس من قيادته تحالفاً معارضاً عشيّة الانتخابات في ربيع العام ٢٠٠٥ والعودة إلى السلطة من موقع قوة في تكرار لسيناريو العام ٢٠٠٠، وغيرها من المحطات التي تُظهر التناقض والتباعد بين الحريري والنظام السوري...

ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يُقدم النظام السوري على اغتيال الحريري إذا كان قد اعتاد على طريقة التعامل معه، ويعلم جيداً مدى براغماتيته وواقعيته وتجنّبه القطع معه وحتى المواجهة الحادّة؟

وفي هذا السياق هناك ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأوّل أن يكون لأسباب انتقامية لمجرد انه أظهر عدم مطواعية. والاحتمال الثاني أن يكون بسبب الشكوك بدور ما يقوم به معطوفاً على التطورات التي تشهدها المنطقة بعد سقوط العراق وصدور القرار ١٥٥٩. والاحتمال الثالث أن يكون اغتياله في سياق مشروع كبير يشكل وجود الحريري عقبة أمامه.

وإذا كان يصعب إسقاط أيّ احتمال من الاحتمالات الثلاثة، فإنه من المُتعارف عليه أنّ أيّ نظام وصاية لا يقبل بمنطق الشراكة، ويتعامل على قاعدة الآمر الناهي الذي يدفعه إلى شطب كلّ من يخالف توجهاته. كما أنّ أي نظام ديكتاتوري لا يثق حتى بنفسه، ما يدفعه إلى تفسير أي موقف أو اتصال أو لقاء أو تباين بأنه ينمّ عن مؤامرة تحضّر في مواجهته، وبالتالي لا يمكن استبعاد أيضاً أن يكون اغتيال الحريري حصل من أجل قطع الطريق أمام أيّ تقاطع داخلي مع الحراك الخارجي.

إلّا انّ المعطى الذي يتناقض مع الاحتمالين المذكورين هو معرفة القيادة السورية بشخصية الحريري الأب التي لا تذهب إلى حد التناقض المطلق، ولا الانقلاب الكامل أو التحوّل الشامل، وتُبقي «للصلح مطرح»، وتدوِّر الزوايا، وذلك انطلاقاً من حرصه على تجنّب مواجهات يدفع الشعب اللبناني كلفتها، الأمر الذي يعني أنّ التعايش بين النظام السوري والحريري كان ممكناً على رغم كل الخلافات.

وبعد عشر سنوات على اغتياله والمسار الذي اتخذته التطورات السياسية في المنطقة يبرز أكثر فأكثر أنّ التخلّص منه كان أبعد من صراع على السلطة في لبنان وعودته إلى الحكومة بأكثرية نيابية، ومخاوف من اتصالاته الخارجية، فضلاً عن انه مخطئ مَن يعتبر انّ الحريري كان يمكن أن يصل إلى حد المطالبة بخروج الجيش السوري من لبنان، فيما اغتياله هو الذي سرّع في هذا الخروج.

ومن هنا اغتيال الحريري يصعب تفسيره خارج توجّهَين: التخلّص من مشروع كان يقوده الرجل على مستوى المنطقة، أو تمرير مشروع على مستوى المنطقة أولى متطلباته تقتضي التخلّص من الحريري. وبعيداً عن لغة الجزم، إنما يجب التمييز بدقة بين أنّ الحريري لم يكن يعمل أو يخطط أو يسوِّق أو يقود مشروعاً على مستوى المنطقة خارج المتعارف عليه دولياً وعربياً، وبين انه كان رجلاً على مستوى منطقة الشرق الأوسط بقامته وشبكة علاقاته واتصالاته وتأثيره ونفوذه، الأمر الذي يجعله عائقاً أساسياً أمام تمرير أيّ مشروع على حساب العرب والسنة والسعودية.

وإذا كان التغيير في ميزان القوى القائم في المنطقة بدأ مع إسقاط نظام صدام حسين، فلقد استكمل مع اغتيال الحريري، حيث تبدّل وجه المنطقة رأساً على عقب على رغم ما تعرّض له الحليف الأساسي لمحور المقاومة في دمشق.

وإذا كان تأثير صدام مهم جداً لجهة الحاجز العراقي، ولكنّ تأثيره كان من طبيعة جغرافية (العراق) لا سياسية باعتبار انه كان معزولاً عربياً وغربياً، فيما تأثير الحريري كان كبيراً جداً لناحية علاقاته واتصالاته، وكان يستحيل تمرير أيّ مشروع، إلّا على جثته... وهذا ما حصل...

ولكنّ إزاحة الحريري من أجل تمرير مشروع هيمنة في المنطقة لا يعني إعفاء النظام السوري من المسؤولية، لأنّ قتال «حزب الله» في سوريا أثبت بالملموس أنّ مكوّنات محور المقاومة متكاملة وغير منفصلة، وانها تشكل عملياً جسماً واحداً. وبالتالي، الفصل بين أي مكوّن وآخر هو خطأ، فيما كل المكوّنات تتكامل ضمن رؤية وأهداف ومنطلقات واحدة.

قد تكون الصورة في العام 2005 كانت ضبابية على مستويين: وضع اغتيال الحريري في إطار رد الفعل على مواقفه أو الخشية من خطواته، والفصل بين مكوّنات محور المقاومة. ولكنّ الحرب السورية أثبتت أن الفصل غير موجود لا نظرياً ولا واقعياً، كما أنّ التطورات والحراك والتحولات من اليمن والبحرين والعراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين أثبتت وجود مشروع نفوذ إقليمي كبير.

وإذا كانت أحداث 11 أيلول ورَدّ الفِعل الأميركي عليها ساهمت ولَو بطريقة غير مباشرة في تقديم خدمة مجانية لهذا المشروع بإزالة الحاجز الجغرافي من أمامه، فإنّ القيّمين على هذا المشروع رأوا أنّ تمدّده وانتشاره وقابليته للحياة غير ممكنة قبل إزالة الحاجز السياسي. فكان اغتيال رفيق الحريري.

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب