Printer Friendly and PDF

Text Resize

سقوط «داعش» في الفيليبين

14 November 2017

في الوقت الذي تلفظ فيه الدولة الداعشية أنفاسها الأخيرة في العراق وسوريا، تبادر الفيليبين إلى طمر جثتها في مدينة ماراوي بعد 154 يوماً من القتال.

ومدينة ماراوي هي كبرى مدن ولاية «لاناد ديل سير» في جزيرة مينداناو في جنوب الفيليبين، والتي يُشكل المسلمون فيها الأكثرية (أي أكثر من خمس سكان الفيليبين).

حاول الداعشيون الذين استقدموا عناصر مقاتلة معهم من إندونيسيا وماليزيا توظيف الصراع الطويل بين المسلمين والسلطات الفيليبينية المستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود. ولكن ما حدث كان العكس تماماً. فحركة التحرير الإسلامية التي كانت تقاتل الجيش الفيليبيني منذ سنوات، تحالفت هذه المرة مع الجيش ضد الداعشيين، وقاتلتهم معه. كذلك فإن الدولتين الإسلاميتين الكبيرتين المجاورتين للفيليبين وهما إندونيسيا وماليزيا، تحالفتا مع الفيليبين سياسياً وأمنياً ولوجستياً. وتشكلت من الدول الثلاث جبهة واحدة مما أسقط المشروع الداعشي. وأُعلن هذا السقوط في 23 تشرين الأول الماضي.

لم يكن القضاء على المشروع الداعشي سهلاً. فقد أدى الى تدمير شبه كامل لمدينة ماراوي الإسلامية.. حتى بدت أشبه ما تكون بالموصل في العراق أو حلب في سورية بعد هزيمة داعش فيهما. وتعترف السلطات الفيليبينية بأن ترميم ما تهدم قد يحتاج الى 70 سنة. ولكن من الذي سيتولى تمويل إعادة البناء؟

مع ذلك فقد تم ترميم العلاقات بين الدولة الفيليبينية وحركة التحرير الإسلامية التي تُعرف باسم «مورو». وهذا الاسم الذي أطلقه الفيليبينيون على هذه الحركة الوطنية يعني «المغاربة». ذلك أنه عندما جاء الإسبانيون في القرن الثامن عشر إلى شرق آسيا واحتلوا تلك الجزر وجدوا فيها جماعات من المسلمين، وبخاصة في الجزر الجنوبية وحتى في مانيلا ذاتها. وكانت تُدعى «أمان الله» وتحولت مع الوقت إلى مانيلا. والمسلمون بالنسبة للإسبان هم المغاربة الذين خاضوا ضدهم حروب ما بعد استرجاع الأندلس. فكل مسلم عندهم هو مغاربي أو «مورو». ثم أن الإسبان أطلقوا على هذه الجزر اسم الملك الإسباني فيليب.. فكانت «الفيليبين»!!

تبين هذه الخلفية التاريخية أن مسلمي الفيليبين هم من سكان البلاد الأصليين. ولكن إسبانيا تمكنت من نشر الكاثوليكية بين أبناء هذه الجزر لتصبح أكبر دولة كاثوليكية في شرق آسيا. من أجل ذلك ومنذ ثلاثة عقود، طالب المسلمون في جزيرة مينداناو الجنوبية التي يشكلون أكثرية سكانها، بالحكم الذاتي. ولا يزالون حتى اليوم يكافحون من أجل الحصول على هذا الحق. ومن الواضح أن «داعش» حاولت استغلال معاناتهم بإعلان إحدى مدنهم ماراوي عاصمة «الدولة الإسلامية». وهو ما رفضه أهل المدينة، وسكان الجزيرة جميعاً. فكان التحالف الإسلامي مع السلطة الفيليبينية الذي أدى إلى هزيمة داعش.

من هنا الاعتقاد بأن صفحة جديدة قد فتحت بين المسلمين الفيليبينيين وحكومة مانيلا التي يترأسها الرئيس رودريكو ديوتيرت، وهو نفسه يتحدر من جزيرة مينداناو رغم أنه كاثوليكي.

كذلك فإن صفحة جديدة فتحت بين الفيليبين وكل من ماليزيا وأندونيسيا، بعد سنوات طويلة من العلاقات السلبية على خلفية تعاطف الدولتين الإسلاميتين مع حركة تحرير مينداناو (مورو) الإسلامية.

ويتمتع الرئيس ديوتيرت بتأييد الأكثرية في مجلسي النواب والشيوخ. ثم أن رئيسي المجلسين يتحدران مثله أيضاً من مينداناو.

تشكل هذه العوامل مجتمعة فرصة ذهبية لم تتوفر من قبل لتحقيق تسوية سلمية عادلة تطوي سجلاً دموياً حافلاً بالمآسي تمكّن مسلمي الفيليبين من ممارسة الحكم الذاتي في الجنوب في ظل دولة واحدة عاصمتها مانيلا.

كما تشكل فرصة ذهبية أخرى لقيام تعاون بين الفيليبين وجاراتها الدول اإاسلامية (ماليزيا، إمارة بروناي وأندونيسيا). وربما تفتح الطريق أيضاً أمام تسوية قضية تقرير مصير جزيرة صباح التي تعتبرها كل من ماليزيا والفيليبين تابعة لها.

لقد تعاونت الدول الثلاث لأول مرة ضد عدو مشترك هو الإرهاب. وتعاونت حركة تحرير مينداناو الإسلامية ولأول مرة كذلك مع حكومة مانيلا ضد عدو مشترك هو الإرهاب ممثلاً بالحركة الداعشية. وتشكل وثيقة السابع من آب 2017 التي وقّع عليها 41 محافظاً من المسلمين والمسيحيين في ولاية «لاناد ديل سير» عنواناً لهذه الفرصة التاريخي.. الذي يحرص الجميع على عدم إضاعتها.
 

(المستقبل)

الكاتب: 
محمد السمّاك
2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب