Printer Friendly and PDF

Text Resize

هل يعلن الرئيس عون تحييد لبنان بغطاء أكثريّة لبنانيّة وتأييد عربي ودولي؟

09 November 2017

تدخٌّل "حزب الله" عسكرياً في سوريا مخالفاً بذلك سياسة "النأي بالنفس" فرض استقالة الرئيس نجيب ميقاتي والآن استقالة الرئيس سعد الحريري، وأدّى هذا التدخّل بالتالي إلى إحداث انقسام داخلي حاد ووضع لبنان بين خيارين: إمّا أن يكون مع المحور السعودي، وإمّا أن يكون مع المحور الإيراني، وصار كل محور يقول للبنان "إذا لم تكن معي فأنت ضدّي". وقد واجه الرئيس ميشال عون أزمة استقالة الرئيس الحريري بحكمة وروية، فتريّث في اتخاذ موقف منها مفضّلاً إجراء مشاورات واسعة مع مختلف القيادات في لبنان وإجراء اتصالات خارجية كي تكتمل لديه صورة القرار الذي سيتّخذه ويكون قراراً وطنياً في مواجهة أزمة وطنيّة، لا قراراً فئويّاً يتحمّل وحده مسؤوليّة اتخاذه، خصوصاً إذا كان هذا القرار يعالج الأسباب التي أدّت الى استقالة حكومتين.
وإذا كانت استقالة الرئيس الحريري لم تفجّر الوضع الأمني ولا الوضع المالي، فلأنّ القادة في لبنان تهيّبوا خطورة المرحلة ودقّتها فتوحّدوا في منع ذلك، فكانت اجتماعات أكّدت الحرص على الاستقرار الأمني، واجتماعات أكّدت الحرص على الوضع المالي والاستقرار النقدي. فهل يظلّون موحّدين حرصاً على الاستقرار السياسي؟
الواقع أن عودة الرئيس الحريري عن استقالته أو تأليف حكومة جديدة، تتطلّب الاتفاق على التزام سياسة "النأي بالنفس" التزاماً كاملاً لأنّها وحدها في مصلحة لبنان وتصون وحدته الداخليّة وعيشه المشترك وسلمه الأهلي، ولأن سياسة الانحياز كلّفت لبنان غالياً وقسمت اللبنانيّين وشرذمتهم وفتحت أبواب تدخل كل خارج في شؤونه الداخليّة. فإذا كان الظرف الاقليمي وصراع المحاور لا يسمحان لبعض القادة في لبنان، وتحديداً قادة "حزب الله"، بالتزام سياسة "النأي بالنفس" لأن ايران لا تزال تخوض معركة توسيع نفوذها في المنطقة ولا تزال في حاجة الى سلاح "حزب الله"، فإن الحل الممكن والمتيسّر هو في الاتفاق على تأليف حكومة تكنوقراط لا مهمّة لها سوى الاشراف على الانتخابات النيابيّة في موعدها لتقرر نتائجها مستقبل لبنان.
ولكن إذا كان لا اتفاق على السياسة التي تجعل الرئيس الحريري يعود عن استقالته، ولا على تأليف حكومة تكنوقراط، فهل يصبح تأجيل الانتخابات والتمديد مرّة جديدة لمجلس النواب هو الحل وإن كان مرّاً، إضافة الى أن اشتداد صراع المحاور في المنطقة، خصوصاً إذا بلغ حد المواجهة العسكرية، لا يسمح باجراء انتخابات في أجواء هادئة ومريحة، وهي انتخابات تكون نتائجها شيئاً وسط هذا الصراع وتكون شيئاً آخر بعد انتهائه، إذ إن صورة مستقبل دول المنطقة حدوداً ووجوداً تكون قد تبلورت وتتبلور معها صورة مستقبل لبنان أيضاً.
والسؤال المطروح الذي يثير اهتمام كل الناس هو: هل يعلن الرئيس عون في ضوء نتائج المشاورات الداخليّة والاتصالات الخارجيّة تحييد لبنان عن صراعات المحاور بغطاء أكثريّة لبنانية وعربية ودولية انقاذاً للبنان من تداعيات صراع المحاور التي لا طاقة له على تحمّلها؟ وهل تعارض إيران اعلان تحييد لبنان قبل أن تعرف حصتها وحجم نفوذها في المنطقة عند تقاسم هذا النفوذ، أم توافق على تحييده تجاوباً مع رغبة الأكثريّة اللبنانيّة والتأييد العربي والدولي وتتفّهم وضع لبنان ودقّة تركيبته السياسيّة والمذهبيّة؟
إن القادة في لبنان يتحمّلون مسؤولية عدم التوصّل إلى اتفاق على حل أزمة استقالة الرئيس الحريري، وعدم الاتفاق بالتالي على اجراء الانتخابات النيابية في موعدها لأن لبنان يعود يواجه خطر الفراغ الشامل، إذ أنه يعيش عندئذ بوجود رئيس للجمهورية ولكن بلا حكومة ولا مجلس نواب، كما عاش قبلاً بوجود حكومة ووجود مجلس نواب ولكن بلا رئيس للجمهورية، وهو وضع شاذ قد يذهب بلبنان إلى الفوضى والمجهول.
إن استقالة الرئيس الحريري فقأت الدمّل الذي لم يعد يعالَج بالمراهم بل بحل جذري يقرر أي لبنان نريد قبل أن يصبح السؤال المقلق المطروح: لبنان إلى أين؟
إن القرار الذي سيتخذه الرئيس عون في ضوء نتائج مشاوراته الداخلية واتصالاته الخارجيّة، هو قرار تاريخي ووطني، فإمّا يجعل بهذا القرار عهده مختلفاً عن عهود سابقة، وإمّا يكون امتداداً لها، ولبنان لم يعد يتحمّل مثل هذا الوضع الشاذ، خصوصاً في ظل رئيس اعتبره الكثيرون رئيساً قوياً، وإن عليه أن يظهر قوّته في زمن الشدّة.
صحيفة النهار

الكاتب: 
اميل خوري
2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب