Printer Friendly and PDF

Text Resize

استقالة الحريري من السعودية ماذا ترتّب على المملكة لبنانياً؟

06 November 2017

ما بين الزيارتين الاولى والاخيرة للرئيس سعد الحريري للرياض، يومان حفلا بتطورات متسارعة أملت قراءة مختلفة لأسباب استقالة رئيس الحكومة اللبناني من عاصمة المملكة العربية السعودية. 
ففي حين عاد الحريري من المملكة مرتاحا الى نتائج زيارته ولقاءاته مع ولي العهد الامير محمد بن سلمان ووزير الدولة لشؤون الخليج العربي "الصديق" (للحريري) ثامر السبهان، حيث نقل حرصا سعوديا على الاستقرار السياسي الداخلي، عقد اجتماعا في السرايا الحكومية مع مستشار المرشد الايراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، توجّه بعده على الفور الى السعودية ليعلن استقالة حكومته في شكل مفاجئ، من دون التشاور مع اي جهة رسمية او سياسية حليفة، تاركا الانطباع ان الاستقالة ارتبطت بخلفيات هذا اللقاء وارتداده سعوديا. إلا أن صدور قرار توقيف أمراء ومسؤولين سعوديين في المملكة بعد ساعات قليلة على الاستقالة استدعى قراءة مغايرة في الاوساط الرسمية والسياسية الداخلية، عبّر عنها لاحقا الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في كلمته المتلفزة، موجها البوصلة نحو العنصر السعودي الداخلي المستجد.
وكانت أحداث اليوم اللبناني الطويل المثقل بالتساؤلات والهواجس حول تداعيات الاستقالة المثيرة في شكلها ومضمونها وتوقيتها، قد عززت الانطباعات أن سبب الاستقالة يتصل بحسابات سعودية داخلية ليست بعيدة من الحريري، إذ لوحظ أن المداولات على المستوى الرسمي في لبنان لم تسقط هذا العامل، وهو ما دفع الى التريث في البناء على الاستقالة. الى ذلك، لفتت زيارة القائم بالاعمال وليد البخاري لمفتي الجمهورية، وعدم صدور اي موقف لا عن الديبلوماسي السعودي ولا عن دار الافتاء، تبعتها زيارة للرئيس نجيب ميقاتي حاملا اقتراحا يتصل بالازمة المستجدة، فيما اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بتغريدات لبنانية وسعودية حملت الكثير من المعاني، عاكسة نبضا سعوديا لم يتم نفيه حتى الآن، بما يقوي حظوظ التفسيرات المعطاة للاستقالة.
ولوحظ كذلك ان النبرة المعتدلة لنصرالله والداعية الى التريث والترقب قبل إصدار الاستنتاجات المتسرعة، تشي بأن قيادة الحزب استدركت عدم استدراجها الى قبول التحدي الوارد في كتاب الاستقالة والاندفاع نحو رفع سقف المواجهة. والواقع أن احتواء نصرالله للاستقالة في الوقت الراهن لا يعني أن الكلام الوارد في البيان لم يلق المراجعة الكاملة لدى الحزب، وان التريث يندرج في إطار ترقب الخطوة السعودية المقبلة حيال ما ورد في البيان، انطلاقا من اقتناع تام لدى الحزب بأن البيان صياغة سعودية، وهو بالتالي سيرتب قراءة متأنية لما تعتزمه المملكة ما بعد استقالة الحريري.
وهذا يرتب في رأي اوساط سياسية متابعة تسجيل اكثر من ملاحظة:
- اولا، ان خطوة استقالة الحريري من الرياض، سبقت خطوة توقيف أمراء ومسؤولين بتهم فساد. وهذا يشي بأن الخطوتين منفصلتين، لكنهما تأتيان في إطار سياسة سعودية ينتهجها ولي العهد، كانت بدأت قبل فترة مع خطوات انفتاحية وإصلاحية عدة، لا يستبعد ان تستكمل بخطوات أكبر وأوسع تعزز موقع ولي العهد في السلطة وتولّي زمام الامور، ومنها السياسة الخارجية للمملكة وإدارة الصراع مع طهران.
- ثانيا، ان بيان الاستقالة لا يقل خطورة واهمية عن الاستقالة في نفسها، وربما يفوقها اهمية وخطورة. ذلك ان البيان جعل لبنان مكشوفا على كل الاحتمالات، بما فيها العسكرية والأمنية التي تستهدف في شكل أساسي "حزب الله". وهذا الامر يستدعي قراءة متأنية لما سيكون عليه موقف رئيس الجمهورية من الاستقالة، والى متى سيتريث في قبولها والتوجه نحو استشارات لتسمية رئيس جديد للحكومة.
بيان الاستقالة أعاد استحضار خطاب تصعيدي كان غاب في الآونة الاخيرة عن مصطلح الحريري، أقله في ما يتصل بـ"حزب الله، الذراع الايرانية، الشعب اللبناني العظيم، اغتيال الحريري، ثورة الأرز، العقوبات، خلية الكويت، حزب الله الذراع"، وهذه الاستحضارات تضع لبنان على خط أمامي جداً في الصراع الايراني- السعودي، بما يطرح السؤال الأهم اليوم بالنسبة الى اللبنانيين: ماذا بعد استقالة الحريري؟ وهل تمضي السعودية في المسار التصعيدي في لبنان، بما يجعله مكشوفا أمنيا ويعرض استقراره للخطر في ظل طبول الحرب التي بدأت تقرع منذ فترة وجيزة بشكل متسارع، او ان البيان لم يكن الا لدفع الأنظار في اتجاهات ابعد تتجاوز الأسباب الفعلية للاستقالة؟
من المبكر جداً الخروج باستنتاجات متسرعة، تكفي أيام قليلة جداً لتأكيد الصحيح منها. وكل الامور مرهونة بالعودة المأمولة للحريري، والا، فإن البلاد ستكون مقبلة على مرحلة جديدة، في يد المملكة بلورة ملامحها!
صحيفة النهار

الكاتب: 
سابين عويس
2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب