Printer Friendly and PDF

Text Resize

بريطانيا تفتخر بجريمتها

04 November 2017

الإمبراطوريات تواصل الخداع. تكذب ولا تعتذر. تحتفل بجرائمها باعتبارها انتصاراً لحق الرجل الأبيض في السيادة على بقية الشعوب. فرنسا ترفض الاعتراف بقتل أكثر من مليون جزائري. بريطانيا ترفض الإقرار بجرائمها في الهند وأفريقيا، وقبل ذلك بإبادة الهنود الحمر والسكان الأصليين في أستراليا. وترفض الاعتراف بمسؤوليتها عن مأساة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ مئة عام إلى اليوم. كما تصر على أن وعد بلفور الذي أسس لإقامة الدولة العبرية بإشرافها ومساعدتها عندما كانت تستعمر فلسطين، كان لمصلحة «الطوائف الأخرى» جنوب بلاد الشام (الوعد لم يذكر الشعب الفلسطيني أو العرب، بل اعتبرهم طوائف أخرى عليها أن تعيش في كنف الدولة اليهودية). حلت أوروبا الخارجة من حربين عالميتين مسألة اللاسامية بنقل اليهود إلى فلسطين بحجة تعويضهم مما عانوه في القارة القديمة، وتكفيراً عن ذنبها بسبب المحرقة في ألمانيا وبولونيا والاضطهاد الذي عاناه اليهود طوال قرون بتحويلهم إلى جلاد يدعي، مثلها، تمثيل القيم الديموقراطية ونشرها وسط الشعوب المتخلفة.

لكن لم تكن إقامة إسرائيل في فلسطين عملاً إنسانياً أو لمجرد التكفير عن الذنب. بل هي في الأساس خطة مدروسة لزرع الحروب والفوضى في بلاد الشام، وكي تكون حليفاً موثوقاً فيه وقاعدة متقدمة يعتمد عليها في قمع أي دولة معادية للاستعمار أو تطالب بالاستقلال. وقد لعبت إسرائيل هذا الدور بجدارة منذ تأسيسها عام 1948. دافعت عن لندن وباريس في مختلف الظروف وشنت حروباً، بمساعدات عسكرية وسياسية غير محدودة قدّمتها إليها أوروبا وأميركا، وما زالتا، بحجة حقها في الدفاع عن نفسها في محيطها المعادي، وإبقائه في حالة فوضى.

أمس، احتفلت بريطانيا بمئوية وعد بلفور بإقامة «وطن قومي لليهود في فلسطين». استقبلت رئيسة الوزراء تيريزا ماي نظيرها الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وحفيد بلفور وممثل لآل روتشيلد، لأن عميدهم تسلم «الوعد» نيابة عن اليهود قبل مئة عام. عبّرت ماي عن شعورها بـ «الفخر لأننا لعبنا دوراً ريادياً في إقامة دولة إسرائيل». وحذرت من «شكل خبيث لمعاداة السامية يستغل انتقاد أفعال الحكومة ويأخذها ذريعة مقيتة للتشكيك في حق إسرائيل في الوجود». أما وزير خارجيتها بوريس جونسون فانتقد الفلسطينيين لأنهم «يرفضون تقبل الأمر الواقع بعد مرور مئة عام». لم يقل جونسون كيف تم ويتم فرض هذا الأمر الواقع. لم يذكر الحروب المتواصلة بدءاً من عام 1948، ثم العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وحروب 1967 و1973 وغزو لبنان سنة 1978 ثم 1982 وعام 2006، وكلها حروب بأسلحة وأموال وغطاء ديبلوماسي من لندن وباريس وواشنطن والعواصم الدائرة في فلكها. ونسي أيضاً الممارسات الإسرائيلية اليومية ضد الشعب الفلسطيني في أرضه ومصادرة أملاكه وبيوته وتحويل حياته إلى جحيم. كل هذا نسيه. ولم يتذكر سوى لذة الطعام على مائدة المحتفلين بالمأساة، وشرب الأنخاب في المناسبة السعيدة. ونسي أيضاً أن فرض هذا الواقع مستمر يومياً منذ مئة عام. فكيف للفلسطيني أن يقبل به وهو يتجرع مأساته كل لحظة، وسط احتفالات دولية بجلده، وجلاده يُستقبل في عواصم القرار بـ «فخر واعتزاز».

الإمبراطوريات لا تعتذر، حتى بعد مرور مئة عام.

للمصادفة تزامن احتفال لندن بوعد بلفور هذا العام مع احتفائها السنوي بـ «تاريخ السود»، إذ تنتقي عدداً من السود الناجحين في مجالات مختلفة لإثبات أن الاستعمار كان، وما زال، متسامحاً، والدليل نجاح بعض الأطباء أو المفكرين السود الذين تُنتقى أسماؤهم بعناية فائقة للإضاءة على مسيرة حياتهم الفردية، من دون ذكر جرائم البيض في أفريقيا.

المصدر: صحيفة الحياة 

الكاتب: 
مصطفى زين
2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب