Printer Friendly and PDF

Text Resize

هل ينفرط «العقد» بين «حزب الله» وجمهوره؟

كتب علي الحسيني في "المستقبل":

في منطقة حيّ السلّم، كُسرت إلى حدّ ما، الهالة التي كان رسمها «حزب الله» حول نفسه لفترة تزيد عن ثلاثين عاماً بمجرد أن وصل «الموس» إلى رقبة الناس بعد تهديدهم بلقمة عيشهم بسبب إزالة الجهات الرسمية، مخالفات كانت حتى الأمس القريب تتمتّع بحماية من الحزب نفسه كونها تقع ضمن مناطق نفوذه المتعدد بأشكاله العسكرية والأمنية والسياسية. اللافت أن إنكسار هذه «الهالة» جاء في ظل الوضع الصعب الذي يمر به البلد، وتحديداً بيئة «حزب الله» التي يُضاف إلى معاناتها الاقتصادية والاجتماعية التي تتشارك فيها مع بقيّة اللبنانيين، الخوف من الموت الذي يُلاحق أبناءها في سوريا، والذي كان له الأثر البالغ وربما الأكبر في وضع علامة التعجّب حول التجرّؤ على إطلاق جزء من هذه البيئة، الشتائم باتجاه «حزب الله» وقيادته.

المؤكد أن ما جرى في حيّ السلم منذ اسبوع تقريباً، لا يُمكن وضعه في خانة ما يُحكى أنه بداية نهاية «حزب الله»، لكنه بكل تأكيد، أسّس لمرحلة جديدة من التعاطي بينه وبين جزء كبير من جمهور ما عاد يرى منفعة في تقديم تضحيات كبيرة تصل إلى حد الموت، مقابل «أثمان» لا يُمكن صرفها على أرض الواقع ولا يُمكن التعويض عنها لا بالكلام ولا بالشعارات ولا حتّى بوعود «النصر». وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدل على تبدل في مزاج هذا الجزء الذي ومنذ فترة طويلة، بدأ بصرف النظر عن تقديم المساعدات المادية ضمن الإمكانات المتوفرة طبعاً، وهذا ما بدأت تلحظه الصناديق العامة على الطرق، الخاصة بالتبرعات و»القجج» الصغيرة الحجم، المُخصّصة للمؤسسات والبيوت، إذ أن حجم الدعم المالي تراجع بنسبة كبيرة مقابل ازدياد حجم التبرعات في صناديق النذور وتحديداً تلك العائدة لمؤسسة المبرّات الخيرية وتحديداً الأيتام.

مواقف البعض من المؤيدين لخط المقاومة ضد اسرائيل، ضمن بيئة «حزب الله»، عبّرت بصوت عال خلال الأيام الفائتة عن «الغبن» الذي يلحق بالبعض سواء في الضاحية الجنوبية، أو الجنوب او حتّى في البقاع. «تبدل المزاج» كان الجملة الأنسب للتعبير عن الحالة التي وصل اليها هذا البعض، فالحرب السورية قضت ليس فقط على جزء كبير من الشبان بينهم آباء وأبناء وأخوة، بل أيضاً على آمال كثيرين كانوا يبنون أحلامهم العائلية وحتى العملانية وقد إنهارت الكثير من هذه المشاريع، مع سقوط العديد من أبناء الطائفة الشيعية في الحرب في سوريا، ناهيك عن مئات الأيتام والأرامل التي خلفها هذا الموت والدمار النفسي الذي لحق بالعديد من الأطفال وتحديداً خلال مواكب التشييعات بعدما أدرج الحزب عادة تقضي بوضعهم في أوّل هذه المواكب، أو فرد أجسادهم على النعوش، وقد تحوّلت إلى ظاهرة عامة خلال تشييع عناصر «حزب الله».

آراء كثيرة ومتعددة من الضاحية الجنوبية، أظهرت مواقف وتعليقات حول ما جرى في حي السلم. كثيرون أكدوا صوابية ما قام به اتحاد بلديات الضاحية بالتعاون مع القوى الامنية، لكنهم في الوقت عينه، لا يرون صوابية في كل ما يقوم به الحزب خصوصاً وأنه كان نصّب نفسه مكان الدولة قبل أن يسحب يده من تحت «سجّادة» الفقراء. علمأ أن هذه الفئة من الناس، كان لها الفضل الأبرز في نشوء الحزب، فمنها خرج وعليها اتكل في سطوته وتمدده، وكانت هي رأس حربة في كل حروبه ومشاريعه في الداخل والخارج، قبل أن يتركها اليوم تواجه مصيرها وحدها. مصير هو في الأصل مجهول لا طريق له سوى طريق الموت. والبعض الآخر، رأى أن قضية حي السلم لن تؤثر في «كينونة» الحزب، لكنها سوف تضع بعض النقاط على الحروف خصوصاً لجهة إعادة النظر في العديد من مواقفه وتحديداً التي تتعلق بأبناء طائفته، وقد يكون إعلانه بحسب جزء من عناصره من سوريا في الفترة المُقبلة، هو لامتصاص هذه النقمة وعملية استباقية لأمور يُمكن أن تحدث.

ما شهدته الضاحية الجنوبية من إزالة تعديات على الأملاك العامة، وما تبعها من ردود فعل بلغت كيل الشتائم، يفيد بأن مسألتَي قتلى الحزب في حرب سوريا، والضيق المالي أخرجتا «البيئة الحاضنة» من ثوبها، أو كادت. كما يفيد بأن «الغطاء السياسي» هو الأب السري والروحي لكل التعديات على الأملاك العامة والمشاعات اليوم، وهو الحكم بين المصالح السياسية والعسكرية والأمنية من جهة، وبين المصالح الحياتية والاجتماعية من جهة أخرى. وفي السياق، ثمة من سأل عن التسهيلات التي تُقدّم للمعتدين على الأملاك العامة وعن «محميّات» أمنية تأوي مطلوبين للعدالة وعن مؤسسات صحية واجتماعية وتربوية، لا تخضع لحسيب أو رقيب.

«حزب الله» وضع الألفاظ التي تفوّه بها البعض خلال احداث حي السلم في خانة «التطاول» على أحد أبرز قادته، لم يُحسن قراءة ما حدث بالشكل الذي يتوجب عليه فعله. الحزب حوّل شتيمة المواطن علي زعيتر إلى ثأر شخصي جعل الأخير يلجأ إلى بعض وسائل الاعلام لتوجيه رسالة إلى السيد حسن نصرالله اعتذر فيها عما بدر منه بحقه. لكن أبعد من الاعتذار، فإن الرجل تحسّس على ما يبدو رقبته بعد الدعوات التي طالبت بقتله بحسب ما ذكر خلال الرسالة المصوّرة التي نشرها بالأمس، ومن هنا تعلو الأصوات في مناطق «حزب الله» ولو بشكل محدود، للمطالبة بتحسين أوضاع «الجمهور» و»البيئة» وأهالي «الشهداء» والجرحى والعودة عن طريق الموت وفتح آفاق جديدة لحياة أقل ألماً ووجعاً وقهراً والأهم، أقل موتاً.

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب