Printer Friendly and PDF

Text Resize

العراق يعود إلى ما قبل العام 2003

كتب رستم محمود في صحيفة "المستقبل":

يبدو أن «خطوط التماس» الجغرافية والسياسية والعسكرية ضمن العراق تتجه للاستقرار بين مُختلف القوى، وبالذات بين الجماعات الأهلية السياسية الثلاث الرئيسية. وهذه الخطوط الجديدة تظهر وكأنها مُطابقة لما كانت عليه لحظة سقوط النِظام السابق عام 2003، وبدء العملية السياسية العراقية. بمعنى ما، فإن ثلاثة عشر عاماً من الحياة السياسية العراقية، تظهر وكأنها لم تبنِ واقعاً سياسياً مُختلفاً عما كانت عليه في لحظته التأسيسية.

فقد شكّل الهجوم الأخير لقوات الجيش العراقي وميليشيات الحشد الشعبي على قوات البيشمركة الكُردية في محور سيمالكا/ فيشخابور في المثلث العراقي السوري التُركي، صباح الخميس الماضي، آخر محاولة من قِبل الجيش العراقي للسيطرة على المعبرين الحدوديين، بين العراق وكُلٍ من سوريا وتُركيا. بعدها مباشرة، أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي وقفاً موقتاً لإعلان النار، وبدء المفاوضات التقنية بين فرق الجيش وقوات البيشمركة، لإعادة رسم خطوط التماس العسكرية بين الطرفين.

كان ذلك مُرادفاً لحدثين سياسيين مهدا مبدئياً لهذا التوافق:

فقد أعلنت حكومة إقليم كُردستان العراق تجميد نتائج الاستفتاء الإقليمي الذي جرى في 25 أيلول (سبتمير) الفائت، ودعت الحكومة الاتحادية إلى وقف إطلاق النار في جميع الجبهات، والبدء بحوارٍ غير مشروط بين إقليم كُردستان والحكومة المركزية تحت سقف الدستور. جاءت مبادرة الإقليم في وقتٍ كان العبادي يقوم بزيارة لتُركيا وإيران، دفعته لتشديد مواقفه المناهضة لإقليم كُردستان، لذا فإن الحكومة العراقية رفضت رسمياً مُبادرة الإقليم، وأعلنت أن الحوار معه لن يُفتح قبل الإعلان الواضح من قِبله بإلغاء نتائج الاستفتاء، والالتزام بوحدة العراق ودستوره.

لكن من طرفٍ آخر، تعرضت الحكومة العراقية لضغوط مُتعددة للقبول بمبادرة الإقليم. فالولايات المُتحدة أعلنت ترحيبها بالمبادرة، ودعت بغداد للقبول بها. فوق ذلك، فإن الخارجية الأميركية وجهت ضربة معنوية للحكومة العراقية، حينما أعادت التذكير بأن أبو مهدي المُهندس، نائب قائد الحشد الشعبي، وأحد المُشرفين على حملة الحكومة المركزية على إقليم كُردستان، شخصٌ مُصنف كإرهابي في الولايات المُتحدة ومطلوب للقضاء. كذلك كسرت الولايات المُتحدة المُقاطعة السياسية على الإقليم، عبر الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية ريكس تيلرسون مع رئيس الإقليم مسعود البارزاني.

كان الموقف الأميركي جزءاً من مواقف القوى الدولية، التي سعت لإعادة التوازن في علاقاتها مع كُل من الإقليم والحكومة المركزية. فإلى جانب اتصال الرئيس الفرنسي برئيس الإقليم، وإعلان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بحضور وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري أن موسكو لن تقطع علاقاتها الديبلوماسية بالإقليم، وأن الاستثمارات النفطية والغازية الروسية ستستمر في الإقليم، إلى جانب ما تملكه موسكو من علاقات سياسية واقتصادية مع الحكومة المركزية.

ساهمت مبادرة الإقليم والترحيب الدولي بها، في بدء عملية إعادة رسم خطوط التماس العسكرية والجغرافية بين هيمنة الطرفين في المناطق المُتنازع عليها، وأسست لشكلٍ جديد من العلاقات السياسية في العراق.

***

سياسياً، فإن هذه الخطوط الجديدة تعني أن المسألة الكُردية في العراق عادت إلى ما كانت عليه قبل ثلاثة عشر عاماً، وأن صراعاً سياسياً جديداً سيُضاف للصراع الطائفي التأسيسي الذي يشغلُ العراق مُنذ العام 2003. وهذا الصراع الجديد سيكون قائماً على ثلاثة مستويات ضمن المُجتمع السياسي العراقي، وبتدخلات إقليمية ودولية واسعة:

ستكون المناطق المُتنازع عليها، والتي تتضمن قُرابة خُمس سُكان العراق، أولى ضحايا هذه العودة، كما كانت طوال عقود كثيرة من عُمر الدولة العراقية الحديثة. فمسائل الإدارة والاقتصاد والسياسة في هذه المناطق ستكون مركبة على مستويات مُتعددة من الصراع، الطائفي والقومي والحزبي، بين الحكومة المركزية ونظيرتها المحلية، بين القوى السياسية المركزية وإقليم كُردستان.

بهذا المعنى فإن المنافسة غير الحميدة على حُكم هذه المناطق، قد تتحول إلى صراع مُسلح، وبذا تعود المسألة الكُردية إلى ما كانت عليه لعقود كثيرة، كتنازعٍ مُسلح بين الحكومة المركزية والقوى الكُردية.

المسألة الثانية تتعلق بهوية العراق والعملية السياسية به. فقد كانت الرؤية والآمال مُنذ العام 2003 تتوجه لأن يكون العراق ديموقراطياً وتشاركياً بمُختلف مستوياته، فيما يتجه راهناً لأن يكون دولة بسُلطة مركزية مُرتبطة بالتيارات السياسية الشيعية الطائفية، تعتمد على الأغلبية الطائفية التي تؤمن لها أغلبية سياسية، مهمشة لباقي القوى والمكونات العراقية. فخلا بعض التفاصيل السياسية الشكلية، فإن العراق الراهن يبدو مطابقاً لما كان عليه في مراحل ما قبل العام 2003، من حيث مركزية واستئثار وسطوة تيارٍ ايديولوجي سياسي بذاته على كُل اشكال الحياة العامة في البلاد.

المستوى الثالث يتعلق بتهرب السُلطة المركزية من واجباتها التفصيلية اليومية، المتعلقة بكافة أبناء الشعب العراقي، وبالذات ضحايا السياسات الحكومية، من ذوي الشُهداء والجرحى والمُهجرين والنازحين، من الذين تحطمت مُدنهم ومناطقهم وتعكرت دورة حياتهم العامة. تهرب الحكومة من تقديم الأمن والخدمات العامة، واللجوء إلى الخطابات القومية والمشاريع الطائفية الشعبوية. شيء شبيهٌ بما كانت تقوم به الحكومات العراقية السابقة، لتغطية سوء أدائها وفسادها وافتقادها لشرعية الحُكم من الطيف السُكاني الأوسع.

يمرُ العراق في هذهِ المرحلة، في وقت يشهد أسوأ موجات الفشل في كُل شيء تقريباً، في الأمن والتعليم والصحة والخدمات العامة، فالعراق يكادُ يكون في آخر التصنيفات الدولية في هذه القِطاعات، وهو مُتصدرٌ قوائم الدول الأكثر فساداً وتلوثاً، ويزداد استدانة من القوى والمؤسسات الدولية.

***

يعيش العراق حالياً موجة نكوص مترافقة مع خسارته موقعه ودوره ككيان مُستقل ذي سيادة. فالقرار السياسي الراهن، الاستراتيجي والتفصيلي، خاضعٌ تماماً للنِظام الإيراني، سواء في ملفات التعامل مع القوى السُنية أو الكُردية، أو حتى في التوازن بين القوى الشيعية في ما بينها، وحتى في موقع ودور العراق في المحاور الإقليمية.

على أن هذا الاستقطاب العراقي الراهن يبدو موقتاً فحسب. فالشهور الستة القادمة ستشهد صراعاً حتمياً بين إيران والولايات المُتحدة على تابعية وموقع العراق في التوازنات الإقليمية. فـ«تعايش الضرورة» بين القوتين في العراق طوال المرحلة الماضية بسبب الحال الداعشية، صار بحُكم المُنتهي.

إن كِلا القوتين المُتصارعتين تستشعران بفائض من القوة. فإيران صارت تسعى بشكلٍ حثيث لأن يغدو العراق تابعاً سياسياً لها، شبيهاً بالنِظام السوري. أي من دون أي اعتراض من القوى السياسية المحلية. ترى إيران أن ذلك مُمكن راهناً، بحُكم تحقيق الجيش العراقي والميليشيات التابعة لها لـ«انتصارات» ميدانية على مُعارضِيها من السُنة والكُرد. ستسعى إيران لأن تكون الحكومة العراقية القادمة غير توافقية إلا شكلياً فحسب، حتى يكون موقف وموقع العراق محسوماً لصالحها في المواجهة المُقبلة مع الولايات المُتحدة.

بدورها فإن الولايات المُتحدة ستسعى لأن تكون الحكومة العراقية القادمة إحدى أدواتها لمواجهة النفوذ الإيراني، كنتيجة لدعمها المفتوح للعبادي. فالاستراتيجية الأميركية تعتقد أن فوز رئيس الوزراء الحالي في الانتخابات القادمة سيسمح له بأن يكون أكثر استقلالية عن النفوذ الإيراني، وأن يكون قادراً على اتخاذ سياسيات أكثر جرأة تجاه إيران، حيث أن النفوذ الإيراني قائم بالأساس على الأغلبية البرلمانية التي يستحوذها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، أقرب الشخصيات السياسية العراقية لإيران.

بهذا المعنى فإن العراق سيعود لما كان عليه من قبل، منطقة تصارع على النفوذ، بين القوتين الأكثر نفوذاً، إيران والولايات المُتحدة، وحيث ستتوزع القوى السياسية والأهلية به ضمن هذا الصراع.

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب