Printer Friendly and PDF

Text Resize

عن الدور المنتظر مِن الفاتيكان لتسوية القضية الفلسطينية

29 October 2017

يشكل موقف الفاتيكان؛ بما تمثله قيادته والكنيسة الكاثوليكية مِن وزن دولي وروحي كبير؛ بُعداً مهماً مِن الخلفيات المحيطة بالصراع العربي الإسرائيلي؛ ومن هنا تبرز الحاجة إلى المتابعة الدقيقة لمواقفها ودورها. ولهذا توقفتُ باهتمام عند التصريحات التي صدرت من البابا فرانسيس يوم الإثنين الماضي في لقائه بطريرك القدس للروم الأرثوذكس تيوفيلوس الثالث، والتي نشرتها «الحياة»، وراجعتُ نصَّها عبر وكالة «رويترز» نقلاً عن راديو الفاتيكان. وتضمنت هذه التصريحات عدداً من الإيجابيات الواضحة حول الدعوة إلى الحوار والاعتدال، وأن يتمكن الجميع من العيش بسلام في القدس مع احترام حقوق المسلمين والمسيحيين في المدينة المقدسة. من ناحية أخرى لم يرحني غموضُ ما تضمنه التصريح بأنه يجب الدفاع عن وضع القدس القائم وحمايته، متمنياً أن يكون ما يقصده الحبر الأعظم هو حق أبناء الديانات الثلاث، وليس الاحتلال الإسرائيلي.

ومن المفيد في هذا الصدد استرجاع المسيرة الطويلة والمعقدة لفصول علاقة الفاتيكان بإسرائيل مِن التباعد الشديد والانتقادات المتبادلة، حتى توقيع اتفاق إنشاء العلاقات الديبلوماسية بين الجانبين نهاية عام 1993، ثم تبادل السفارات في كانون الثاني (يناير) 1994 في خطوة تطبيع ضخمة وتاريخية. على أن مسيرة العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل لم تكن سلسة دوماً بعد ذلك، فرغم توقيع اتفاقية أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر) 1997 بين الجانبين بشأن ترتيبات الممتلكات الكاثوليكية في الأراضي المقدسة، فإن الكنيست الإسرائيلي لم يصدق حتى الآن على هذه الاتفاقية. كما أنه من ناحية أخرى، فإن رصيد تطورات علاقة الفاتيكان بالجانبين الفلسطيني والإسرائيلي تتسم بدورها بدرجة عالية من الحركة والتباينات، ولم تسلم من الإشارات الإيجابية والسلبية معاً. ففي العام 2002 جدَّدت الفاتيكان مطلبها بإبرام اتفاقية دولية لحماية المواقع المقدسة، وجاء ذلك رداً على الضرر الذي تعرَّضت له كنيسة المهد بسبب مواجهات إسرائيلية– فلسطينية، وهو مطلب سبق أن تحدثت به السلطة الفلسطينية في أكثر مِن موقف بسبب التجاوزات والانتهاكات الإسرائيلية للمقدسات الإسلامية والمسيحية على السواء.

وشهد العام 2015 تطورين مهمين ومتضادين، أولهما اعتراف الفاتيكان بدولة فلسطين رسمياً في 15 أيار (مايو) في تاريخ له دلالته الواضحة وفي أعقاب انتخاب نتانياهو وتراجع فرص السلام، في خطوة تستحق التقدير والاحترام وبخاصة في ظل البابا المتفتح والمتدفق المشاعر الإنسانية فرانسيس. ولكن يبدو أن البابا في مواجهة الضغوط العكسية الضخمة؛ قام في تشرين الثاني (نوفمبر) مِن العام نفسه خلال لقاء له مع زعماء يهود في ذكرى إعلان تعزيز العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية واليهود، بتأكيد أن مهاجمة اليهود هي أمر لاسامي، وأنه يمكن أن تكون هناك خلافات في الرأي ولكن من المهم تذكر أن لدولة إسرائيل الحق في الوجود. وكان مِن الطبيعي أن تثير هذه التصريحات مقداراً مِن القلق كونه لم يشر إلى معاناة الشعب الفلسطيني أو إلى الحصار والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة ضد المقدسات والأماكن الدينية المسيحية والإسلامية. وكان البابا فرانسيس زار الأراضي الفلسطينية وإسرائيل في أيار (مايو) 2014، في ثالث زيارة بابوية بعد الاحتلال الإسرائيلي للقدس في العام 1967، وكانت الأولى في العام 2000 للبابا يوحنا بولس الثاني، والثانية في العام 2009 للبابا بينيديكتوس. واصطحب البابا فرانسيس معه خلال تلك الزيارة صديقين من الأرجنتين، أحدهما حاخام يهودي، والآخر مسلم. إذاً، في المجمل شهدت علاقات الفاتيكان وإسرائيل مخاضاً وتطورات صعبة على مدى السنوات منذ إنشاء إسرائيل. ورغم استمرار بعض هذه الصعوبات إلا أن العلاقات بين الدولتين تشهد نوعاً من التعايش والاستقرار الملحوظ والتدريجي، وأنه رغم المواقف الإنسانية الإيجابية للبابا فرانسيس، فإن هناك مقداراً من الغموض في بعض المواقف ربما بسبب حالة اختلاط الأوراق والارتباك الدولي والإقليمي التي تشجع إسرائيل على مزيد من خطواتها التصعيدية لتهويد القدس.

ما يجب أخذه في الاعتبار في هذا الصدد؛ يتمثل في أبعاد عدة، أولها أن القدس أحد أكثر جوانب تسوية القضية الفلسطينية صعوبة، وتحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الجهد والتفكير في سبل تضمينها في شكل عادل ومنصف الشعب الفلسطيني والعالم العربي الذي يعتبرها محور الصراع مع إسرائيل وأهم أبعاده، ومن ثم ينبغي أن تكون هي عاصمة فلسطين في مشروع تسوية. وفي الوقت ذاته ينبغي وضع ترتيبات لكل أبناء الديانات السماوية الثلاث، لا تتضمن أوهام المتطرفين اليهود حول الهيكل المزعوم. وهنا، فإن موقف الكنائس المسيحية في العالم، والفاتيكان على رأسها، يعتبر عنصراً بالغ الأهمية ويجب تفعيل مشاركته ودعمه للحقوق الفلسطينية العربية في هذا الصدد، وأن يكون ضمن عناصر التسوية الخاصة بمستقبل القدس ومعالمها الإسلامية والمسيحية. هناك جهد عظيم ودور مقدر يقوم به مطارنة القدس الكاثوليك ومن الطوائف المسيحية كافة مِن العرب وغير العرب، ومِن مجمل مشاهداتي؛ لا أجد أن العالم العربي يعبر بما يكفي عن التقدير والاحتفاء المناسب بهذه الأدوار، وتزيده الأزمات العربية الراهنة من الانشغال عن أهمية هذه الإجراءات؛ ولو بالحد الأدنى من التقدير الأدبي، وبخاصة أنهم جزء من مشهد الصمود الفلسطيني ضد عمليات تهويد القدس، فدورهم مهم لجهة ضمان مزيد مِن تفهم الفاتيكان أبعاد المعاناة الفلسطينية في القدس والأراضي الفلسطينية كافة، وهذه التذكرة المستمرة مهمة للحفاظ على تماسك المقاومة مِن ناحية، ولأنه قد تكون هناك مردودات إيجابية للحقوق الفلسطينية بمواصلة إحاطة البابا فرانسيس بما يحدث في القدس، لما يتسم به من مواقف إنسانية وروحية تحظى باحترام يتجاوز العالم المسيحي. وعلى الجامعة العربية أن تسعى إلى تكريم بعض الرموز الدينية الإسلامية والمسيحية لدورها في الدفاع عن القدس، فقد يعوض هذا الغياب السياسي ويساعد على تحقيق الأهداف الأخرى. وأخيراً، فإنني أقدر، ومِن مجمل متابعتي لشخص البابا فرانسيس، أن هذه القيادة الروحية الكبيرة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وإعلاء قيمة التعايش والمصالحة، وهذا يقتضي جهداً فكرياً وديبلوماسياً فلسطينياً وعربياً مستمراً، يقلل مِن أي فرص لغموض المواقف، ويدعم أي عملية سلام شاملة وعادلة، أو على الأقل يساهم في التخفيف مِن المظالم والضغوط على القدس والشعب الفلسطيني، وعلى المقدسات الإسلامية والمسيحية.

المصدر: صحيفة الحياة 

الكاتب: 
محمد بدرالدين زايد
2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب