Printer Friendly and PDF

Text Resize

14 شباط والعبث في وجدان الجريمة - أحمد الغز

13/02/2016

كتب أحمد الغز في "اللواء":

لا نستطيع عشية 14 شباط تجاوز ذلك الحضور العميق للرئيس رفيق الحريري في وجدان معظم اللبنانيين والكتابة عن ذلك الوجدان الوطني الذي تبلور بعد دقائق على وقوع الجريمة، وأن الذين شعروا بألم الاغتيال كانوا من كلّ الطوائف والمناطق والطبقات. وكانت المرّة الاولى منذ زمن طويل يظهر فيها في لبنان حالة وجدان وطني، وقد شاهدنا صورة نقية للشعب اللبناني والهوية اللبنانية، وهي أنّ هناك جماعة حقيقية تفرح من أعماقها للوطن وتتألم من أجله. 

راجعت المعجم للتأكّد من معنى كلمة «وجدان الانسان» فكان الجواب «وجدان المرء، يعني نفسه وقواه الباطنية وما يتأثر به من لذة أو ألم». أي أنّ الوجدان هو المشاعر العميقة والكامنة في نفوسنا، تظهر في حالات استثنائية عندما يكون الفرح أو الحزن عميقين. وهذا يعني أنّ رفيق الحريري كان قد بلغ مكانة حميمة في أعماق اللبنانيّين انفجرت وجداناً وطنياً عندما شعروا بالألم لحظة اغتياله. 
خلال العقود الخمسة الماضية شاهدتُ مرات عديدة ظاهرة وجدان عام في لبنان كان معظمها عند عمليات الاغتيال، فقد تألّم معظم اللبنانيون على أثر اغتيال الزعيم كمال جنبلاط فظهر وجدان وطني عارم في رفض الجريمة إلا أنّه استوعِب داخل بيئته الخاصة والحزبية، وكذلك اغتيال الرئيس بشير الجميل إذ أظهر مكانته في أعماق معظم اللبنانيين إلا أنّه أيضاً استوعِب في خصوصيته وقواته، وكذلك الانسحاب الاسرائيلي وتحرير الجنوب الذي أظهر حالة من الوجدان الوطني عبر التعبير العارم عن فرح اللبنانيين بتحرير أرضهم، وهذا الحدث الكبير أيضاً استوعِب في بيئته وحزبه. 
عشية ١٤ شباط كان الوجدان الوطني الرافض للجريمة عارماً وأكبر من الاستيعاب وفوق قدرة ومهارة الذين حاولوا قيادته أو الحدّ من تطوّره، فكان أشبه بانفجار ينبوع من الوطنية تفرّع أنهاراً من الأجيال لا يعرفها أحد وتحبّ لبنان ولا تكره أحداً. والشعوب تؤرّخ لحالات الوجدان عبر الفنون وفي مقدّمتها الغناء. فبعد ساعات على وقوع جريمة الاغتيال، كان معظم فناني لبنان، الذين يحبّهم كلّ الناس، ينشدون الأغنيات الوطنية التي عبّرت بصدق هائل عن وجدان الناس.

بعد 11 عاماً لا بدّ من توجيه تحية لأولئك المبدعين الوطنيّين الذين ساهموا في تجميع وجدان اللبنانيين وظهّروا ما زرعه رفيق الحريري في نفوس اللبنانيين من فرح وأمل وانجاز واستقرار، رافعاً خلال سنوات قليلة آثار جريمة الحرب البغيضة عن المكان والإنسان بالانجاز تلو الإنجاز. لم يشعر اللبنانيون يوماً بالخوف من رفيق الحريري، وحتى الذين عارضوه كانوا يكبرون ويتألّقون.
لا بدّ من تقدير كلّ الفنّانين، من عاصي الحلاني على روعته «بيروت عم تبكي مكسور خاطرها»، الى راغب علامة على آدائه النشيد الوطني بحزن عميق، وجان ماري رياشي الذي لحّن وأنتج «لا ما خلصت الحكاية لا مش هيدي النهاية « من كلمات نزار فرانسيس وغناء الراحلة الكبيرة صباح والفنانين نانسي وملحم زين وعبد الكريم الشعار وزين العمر ورامي عيّاش ووائل كفوري وهيفا وماي وأمل حجازي وحنين ومايا نصري، وروائع الفنان أحمد قعبور ومنها قصيدة «قلتلّي» لفيصل سلمان، وآخرون وآخرون.

هؤلاء هم من الصنّاع الحقيقيّين لثورة الاستقلال والمعبّرين عن الوجدان الوطني العارم، وهم غير الذين ركبوا الموجات من السياسيّين التي اوصلت كلّ واحد منهم إلى غايته أو إلى المحطة التي غادر بعضهم فيها وخاف آخرون من النزول كي لا تتجاوزهم الموجة، لكنّهم جميعاً فشلوا في محاولات العبث في مسرح وجدان جريمة ١٤ شباط.

المصدر: 
المستقبل
2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب