Printer Friendly and PDF

Text Resize

عن النافر الطائفي حين يُستخدَم لتضييع الوقت

كتب وسام سعادة في "المستقبل":
غالباً ما يكون النافر يخسّر صاحبه في حسابات الخطاب الطائفي، ولنا في الآونة الأخيرة أمثلة. فإذا كان النافر الطائفي تفرض إيقاعه المواجهات العنيفة حينما تقع، فإنه أحياناً يصدر في ظل غياب هذه المواجهات، وتستدعيه عندها خلطة من الأفكار العشوائية التي تعتبر أنّ التطرف اللساني مضمون دائماً، والتهديفات الشخصية، والشعور العارم بأنّ الوقت هو.. لتضييع الوقت.

الخطاب الطائفي متعدّد المستويات. فيه المضمر وفيه الظاهر. يتقنه من يحسن التنقل بين مستوياته بذكاء، مقدّراً عند كل عتبة طبيعة المطلوب. مصيبة هذا الخطاب تتجلى تحديداً في اثنتين: حينما يتلبّس المزاعم الوطنية والعلمانية واللاطائفية، فتصبح الطائفية عنده محصورة بالآخرين دون الذات. وحينما يعتبر صاحب الموقف الطائفي أنّ تقصّد النعرة نافع له ولا همّ ماذا يحدث بعد ذلك.

ومن يراهن على التأجيج والحقن طول الوقت، أو يحدّد معيار جرأته في خدش كرامات وحرّيات الآخرين، فهذا طائفي بالتأكيد، لكنه لا يشبه «طائفية لبنان». طائفية لبنان فيها حالات وحالات، فيها أخذ وعطاء وكثير مماحكة، فيها قدر مرتفع من التسييس. هذا ما يفرّقها مثلاً عن الطائفية السورية الحالية، التي من بعد طول مكابرة على الطابع الطائفي لآليات السلطة والمعاش والخطاب في سوريا صرنا الى العكس تماماً: طائفية صعبة التسييس، وحرب أهلية خالية من كل أشكال الهدنة ووقف النار. أما الحرب اللبنانية فكانت تناحرية بامتياز، وفائقة الدموية، وكانت سباقة في أنواع المجازر والفظاعات، لكن مستوى التسييس فيها كان كبيراً، وفترات الهدنة ووقف اطلاق النار فيها ترسم ايقاعها، وترسم أيضاً المفارقة: فكم من مرة أثناء هذه الحرب الاهلية اعتقد اللبنانيون انها انتهت، وأن التسوية حلت بعد انتظار، ليخيب الامل. وكم بقي الناس بعد انتهاء هذه الحرب، يعتبرونها هدنة وقد طالت؟

الخطاب الطائفي في الآونة الأخيرة يميل في البلد إلى اثنتين: إما درجة عالية من الإضمار والخبث، بحيث أنك لا تسمّي الأمور بمسمّياتها الطائفية، وتعطيها أسماء لامعة برّاقة، وطنية وبطولية، وإما أنك تجنح في التسمية إلى القعر المدقع للنفور والفظاظة. بقي أن النوع الاول على طابعه المؤذي يبقى أنفع لصاحبه، في حين أن النوع الثاني يجعل من صاحبه وطأة، على نفسه أولاً.

الناس تخوض في معارك ومواجهات ذات منحى طائفي نعم. لكن الناس ليست مستوعبات احتقانية أو تنفيسية تنتظر هذا أو ذاك. عندما تتواجه الناس طائفياً فمردّ ذلك إلى أنها مقتنعة بأن الدائرة الطائفية التي تنتمي إليها عندها شبكة قيم مشتركة أو شبكة مصالح مشتركة أو أن من يواجهها يجعلها كذلك. صحيح أن الشحن والحقن يلعبان دورهما هنا، لكن ليس على قاعدة افتقاد الوعي. أبداً. الناس تعي مصالحها إلى حد كبير. لا تحتاج إلى من يلقّنها إياها من فوق أو في مزاد علني. وأقصى ما تعلمه الناس الآن أن الكلام المشحون الذي يصدر لأنّ أصحابه يدركون أن الوقت هو لتضييع الوقت، وأن الجمود يحكم القضايا الرئيسية في البلد، إنما هو كلام قد يثير الانفعالات للحظة، لكنه يأخذ معه كل من لا مراس له على ألفباء السياسة في مجتمع مكون من طوائف مختلفة: التنويع في المستويات وطبقات الحديث، عدم استصغار عقول الناس، عدم الظهور بمظهر من يرفض كل مختلف عنه. هذه نصائح إرشادية أولية لمن أراد الاشتغال بالسياسة والطائفية على حد سواء في لبنان، مع وجود عدد من الجاهلين لها، عن عمد أو عن محدودية حال.

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب