Printer Friendly and PDF

Text Resize

"التهدئة" أقوى... إلا إذا

كتب علي حمادة في صحيفة "النهار":
 
حصلت جريمة تفجير المقهيَين في منطقة جبل محسن، وسقط فيها مدنيون، وسرعان ما انهالت المواقف المندّدة، ولا سيما من أبناء مدينة طرابلس الذين لطالما تحسّسوا من أهل جبل محسن. لم تحصل ردود فعل، وبقيت المنطقة هادئة، مع أن الانتحاريَين كانا من أبناء منطقة المنكوبين الطرابلسية. كل ذلك في تقاطع مريب مع صدور مذكرة توقيف في حق النائب السابق علي عيد في قضية جريمة تفجير مسجدي السلام والتقوى في المدينة

ظلت طرابلس هادئة، ومعها البلاد هادئة، لا بل سادتها برودة في التعامل مع الحدث الذي كان ليتسبب بنشوب قتال مرير لو حصل في وقت سابق. هذا ما يدل بوضوح تام على قرار جدي في المحافظة على "التهدئة" في البلاد عندما تتخذه القوى الأساسية، لأن تفجيراً كالذي حصل في جبل محسن، أو أي تفجير آخر يمكن ان يحصل مستقبلاً لن يهز البلاد ولن يدفعها نحو مواجهات كما كان يحصل في السابق. هذه ايجابية. ولكن الايجابية ينبغي تحصينها بمزيد من العمل الجدي لتطبيع البلاد أكثر. فالهدوء السائد كما نعلم ليس عميقاً، وهو حتى الآن موقت بفعل وجود قرار "التهدئة" المحمي خارجياً، وبفعل بدء جولات حوارية بين القوتين السياسيتين الأكبر في البلاد، "تيار المستقبل" و"حزب الله".

لكن هل يمكن قرار "التهدئة" ان يحمي البلاد في كل ظرف؟ بالطبع لا، لأن "التهدئة" ليست حلاً، ولا ترقى الى تسوية حتى. انها "تهدئة" يحافظ كل طرف فيها على مواقفه وسياساته الاساسية كما هي من دون تعديل. فلا يخرج "حزب الله" من سوريا، ولا يسلّم سلاحه (غير الشرعي) الى الدولة اللبنانية، ولا يحل ميليشيات ما يسمى "سرايا المقاومة" (غير الشرعية)، لكنه يقدم شيئاً على صعيد مكافحة الجريمة المنظمة المستشرية في مناطق نفوذه، عبر رفع الغطاء عن بعض كبار المجرمين ليغادروا البلاد أو ليلاحقوا. هذا هو الحد الأقصى الذي يأمل كثيرون أن يقدمه "حزب الله"، فيرسي حداً معيناً من الاستقرار عبر تخفيفه الضغط عن مكونات البلد الأخرى في السياسة، ولا سيما حول طاولة مجلس الوزراء.

"التهدئة" ليست دائمة، ولا متجذرة بعمق. لكن لبنان الهادئ أفضل من لبنان الهائج كما كان الوضع قبل عام. انما هذا ليس كافياً. فاستمرار "حزب الله" في التورط في سوريا سيظل يستدرج النار الى لبنان. وتأخر الغرب في دفع نظام بشار الأسد الى السقوط يزيد توسع الحرب ونمو الحركات والجماعات المسلحة المتطرفة على حدود لبنان. وإطالة عمر نظام بشار، الذي لن يحكم سوريا مستقبلاً مهما حصل، معطوفاً عليه التحالف الاميركي مع ايران في العراق، عنصران لمزيد من الحروب ولمئات الآلاف من القتلى في المشرق العربي. أما لبنان فلا يمكن أن تصمد "التهدئة" فيه الى ما لانهاية اذا ما بقيت النار مستعرة على حدوده.

2017 جميع الحقوق محفوظة
تصميم و تنفيذ الحاسب